قضايا وآراء

مذبحة المماليك.. هل يعيد التاريخ نفسه؟!

1300x600
في مثل هذه الأيام قبل أكثر من مئتي عام، وبالتحديد في الأول من آذار/ مارس 1811، دعا محمد علي قادة المماليك لحفل تنصيب ابنه طوسون الذي ولّاه قيادة الجيش الزاحف نحو الجزيرة العربية؛ بناء على طلب الدولة العثمانية التي لجأت إليه للقضاء على الدولة السعودية الأولى.

كان الحفل كمينا مُحكما صنعه محمد علي من أجل أن يوجه ضربة قاضية للمماليك، فدعا نحو 470 من قياداتهم، واحتفى بهم أيما احتفاء، وفي نهاية الحفل تحرك طوسون وخلفه قادة الجيش خارج القلعة، عبر الممر المنحدر المؤدي إلى باب العزب، ووراءهم المماليك، ومن ورائهم جنود محمد علي، وبعد أن خرج طوسون وجنوده تم إغلاق الباب من الخارج، وأطلق أحد الجنود طلقة في الهواء كانت بمثابة نقطة البداية، فانهال الرصاص من كل صوب وحدب على المماليك لست ساعات متواصلة، إلى أن قضوا عليهم جميعا (باستثناء واحد فقط) في مجزرة مهولة، لم ولن ينساها التاريخ أبدا، حتى أنه وبالرغم من مرور كل هذه السنوات، فإن من يمر بهذا الباب حتى الآن يشعر بالرهبة والانقباض وكأنه يحتفظ بين أحجاره وزواياه بصرخات المستغيثين، هذا فضلا عن رائحة الموتى التي تعم المكان!

لم يكتفِ محمد علي بذلك؛ بل قام بمطاردة فلولهم في كل مكان بمصر. ففي 2 آذار/ مارس 1811، نزلت الكتائب من القلعة تمعن القتل وتسفك ما تبقى من الدماء لكل من له علاقة قرابة أو صداقة أو حتى تجارة؛ مع المماليك، وتنهب أمواله وتستحل نساءه، حتى بلغ إجمالي من قتل منهم نحو ثلاثة آلاف شخص. ثم أمر بتعليق رؤوس المماليك على أبواب القاهرة ومساجدها، لبث الرعب في نفوس الأهالي وتخويفهم من عاقبة الإقدام على عصيان أوامره أو محاولة التمرد عليه!

لكن من هم هؤلاء المماليك الذين فعل بهم محمد على كل هذه الأفاعيل؟ المماليك مفردها مملوك، وهو مصطلح يوحي بالعبودية والرق. وقد كان المماليك من الرقيق البيض، وكانوا من أجناس مختلفة، من الأتراك والمغول والصقالية والألمان والإسبان واليونان والجراكسة وغيرهم. وقد اعتمد عليهم حكام الشرق في صراعاتهم السياسية، لا سيما في مصر والشام؛ خاصة عقب وفاة السلطان الناصر صلاح الدين، مؤسس الدولة الأيوبية. فقد كان الأيوبيون المتنافسون على الحكم يشترون المماليك صغارا في سن الطفولة من تجار الرقيق، ويعهدون بهم إلى من يعلمهم العربية وعلوم الدين الاسلامي، ثم يدربونهم على الحياة العسكرية والولاء الشخصي لسيدهم. ومع ازدياد أعداهم في الجيش الأيوبي، ازدادت أهميتهم السياسية في الدولة، ومع الصراعات الأيوبية الداخلية، بدأت أهميتهم تبرز بشكل مطرد. وبعد وفاة السلطان الصالح نجم الدين أيوب 1249م، استولوا على الحكم.

وخلال حكمهم؛ لم يتحول المماليك لسلالة تقليدية حاكمة تنتقل فيها السلطة من الأب إلى الابن أو الأخ، وإنما كان كبار أمراء المماليك يختارون أحدهم ويجلسونه على العرش، ولذا لم ينجح العثمانيون في القضاء عليهم بعد إسقاط دولتهم عام 1517، حيث ظل الكثيرون منهم يحتلون مناصب عليا في الدولة.

وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر أصبحوا ضعفاء، وانقسموا إلى فريقين رئيسيين بقيادة الألفي بك والبرديسي بك. وكان الألفي يريد إقامة دولة يحكمها المماليك في مصر وتكون مستقلة عن الدولة العثمانية، وسعى للحصول على دعم بريطانيا. ولكن في عام 1807 توفي كل من الألفي بك والبرديسي بك، وبحلول عام 1811 كان محمد علي قد بلغ من القوة حدا يمكنه من التعامل مع المسألة المملوكية، ففعل بهم فعلته النكراء، واستتب له الأمر لسنوات وسنوات، ثم ورّث أبناءه الحكم بعد وفاته لأكثر من 100 عام أخرى.

كان محمد علي قد جاء إلى مصر من مقدونيا كعضو في الجيش العثماني عام 1801، من أجل طرد الفرنسيين، وكان حينها نائبا لقائد الكتيبة الألبانية، وفي أعقاب مقتل قائد الكتيبة خلفه في القيادة، ولأنه كان يتمتع بشخصية قوية، فقد تمّهد له الطريق لتولي منصب الوالي عام 1805. وبرع في إبرام التحالفات والتخلص من خصومه من أجل التشبث بالحكم وتوريثه لأبنائه. وقد نجح في ذلك لحين من الزمن.. لكن جاء وقت وانتهى حكمه وحكم أسرته، وظلت آثار جرائمه شاهدة عليه.. فهل من معتبر؟!