كتاب عربي 21

ماذا لو لم ينافس الإخوان على الرئاسة؟!

1300x600
في الهند، اجتمعت جماعة "الدعوة والتبليغ"، وقد وجدت نفسها بالقوة بمكان بحيث أنها لو نافست في الانتخابات فسوف تتمكن من الفوز، لكنها أعرضت عن هذا، وكان لتراجعها حكمة؛ فالدول التي تسمح لها بالعمل لكونها لا تنشغل بالسياسة؛ سوف تحتاط لذلك إذا دخلت الانتخابات في الهند، ومن ثم تتأثر "الدعوة"، فماذا لو كسبت الجماعة حكم الهند، وتعرضت للتضييق في العالم كله؟!

"الدعوة والتبليغ" ليست كـ"الإخوان المسلمين"، فالأولى قامت كجماعة مشغولة بالدعوة وهداية الناس، في حين أن الثانية عينها على السياسة منذ أول يوم، وفي كل مرة تجرب حظها، ثم تعود من جديد لنقطة الصفر، في حين أنها بعيداً عن السياسة كانت تحقق نجاحات كبيرة، لكن ما قيمة هذا "التكاثر" في العضوية إن لم ينتج عنه العمل بالسياسة، لتحقيق الركن الثاني من أركان التأسيس، لا سيما وأنها جماعة ترى نفسها مشغولة بشمولية الإسلام، والإسلام عندها دين ودولة، ومصحف وسيف؟!

الوصول للسلطة

ليس عندي مانع في أن يكون من أهداف كل جماعة أو حزب، هو الوصول للسلطة، وأعتقد أن من أسباب تردي الحياة السياسية في مصر هو التعامل مع الوصول للسلطة على أنه جريمة، ولهذا كان الإخوان دائما يقولون إنهم لا يريدون أن يَحكموا، ولكن أن يُحكموا بشرع الله. وأعتقد أن من أسباب أزمتنا هو القول المأثور أن طالب الولاية لا يُولاّها، فأنا من المؤمنين بأن طلب السلطة ينبغي على كل قادر على ذلك، وليس أدل من قول سيدنا يوسف عليه السلام للملك: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم". وكثير من عملية الابتعاد عن السلطة هو على أساس أن الولاية لا تطلب، لتنتقل القاعدة إلى المناصب العليا في الدولة بشكل عام!

وعندما سنحت الفرصة، لم تكن الجماعة جاهزة لها، فدفعت برجال التنظيم والولاء إلى حيث لا يجيدون، فكنا أمام أداء بائس كشف عنه الوثائقي الذي عرضته قناة"الجزيرة" أمس (الأحد 24 شباط/ فبراير).. وكل من استمع إلى ما قاله عضو الفريق الرئاسي "خالد القزاز"؛ لابد من أن نفسه امتلأت بالأسى فهل هذا هو حدود الجهد وغاية الأداء لجماعة عريقة بحجم الإخوان المسلمين؟ فهل كانت تنقصهم الخبرات؟ الحقيقة أن أزمتهم في أن التنظيم عندهم يعلو ولا يعلى عليه.

وكان الفريق الرئاسي هم من أطباء وصيادلة، وكأنهم كانوا مقبلين على إنشاء مستوصف طبي، فمن هؤلاء القوم؟ وقد كانت الجماعة ضمن اهتماماتي المهنية منذ أن عملت بالصحافة قبل ثلاثين سنة، ولم أسمع باسم واحد منهم!!

عندما خاض الإخوان الانتخابات الرئاسية لم يكن عندي أدنى اعتراض، فمن على أرضية المعارض لهم، كنت مع حق أي تنظيم أو حزب في الحصول على ثقة الناس، وأن الشعب هو صاحب السيادة في اختيار ممثليه وفي اختيار حاكمه، وعندما وقع الانقلاب العسكري، أعلنت ومن واقع وقوفي ضده؛ أن من حسن الحظ أن من تم الانقلاب عليهم ينتمون للإخوان المسلمين، فهذا كان أدعى لأن يعرف القاصي والداني أنه انقلاب عسكري، على العكس من عزل رئيس لا يستند إلى تنظيم أو حزب يخرج للدفاع عنه، ويملأ الشوارع بالمظاهرات!

بيد أن هذا كان والجماهير تملأ الشوارع، وهي تهتف بسقوط الحكم العسكري، وهذا الحضور الجماهيري انتهى الآن. ومنذ كانون الثاني/ يناير 2015، عندما انزعج الأمريكان من اعتصام ميدان المطرية، وأصبح فؤادهم فارغا، فكانت التعليمات بفض الاعتصام، وإنهاء التظاهرات، حتى لا تتسبب في مزيد من القلق لسكان البيت الأبيض، وانتظاراً لنظرة بعين الرضى، وقد أثبت القوم القدرة على فض المظاهرة في سرعة هي كلمح بالبصر!

يا إلهي إنهم يكررون ذات الأخطاء. لقد صرف عبد القادر عودة مظاهرات عابدين الحاشدة بإشارة منه إكراما لخاطر جمال عبد الناصر الذي كان حاضراً فأذهلته هذه القدرة، وفي اليوم التالي كان القرار هو اعتقال الرجل، وتقديمه للمحاكمة!

الانقلاب قدر

والحال كذلك، فهل كان من المفيد حقاً للثورة أن يكون الرئيس الذي تم الانقلاب عليه من جماعة الإخوان المسلمين؟

هناك من يطيب له القول إن الانقلاب كان سيحدث قطعا سواء كان الرئيس من الإخوان أو من غيرهم، فهل يمكن لنا أن نأخذ الكلام على عواهنه ونسلم بصحته؟!

لم تكن تجربة المجلس العسكري في الحكم مريحة له، ليمكن لهم التفكير في العودة للحكم مرة أخرى، فقد خرجت المظاهرات تهتف بسقوط حكمه، وإذا فكر المشير طنطاوي البقاء في السلطة، فإنه اضطر في الأخير على تحديد موعد للانتخابات الرئاسية بقوة الدفع الثوري، مجبر أخاك لا بطل!

وكان واضحاً أن هناك تحديات تواجه ثورة غير مكتملة، حاصرت السفارة السعودية ذات ليلة، وأنزلت العلم الإسرائيلي لأول مرة منذ رفعه بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، وكانت هناك دول خليجية تتربص بها، خوفا من أن ينتقل الربيع العربي إليها (السعودية والإمارات)، وهذا كان يلزمه، ولو لدورة أولى، فاصل يقوم به من لا يستفز وجوده في الحكم الدوائر الإقليمية والدولية، أو من يمكن حمايته دولياً من أي مؤامرات يفكر فيها العسكر. فوجود شخص مثل محمد البرادعي، كان سيمنع عملية التحرش من الدولة العميقة، ووجود عمرو موسى كان سيخلصنا من حالة التأزم الإقليمي، دون أن يمثل استفزازا للثورة، فالرجل قال إن الثورة عندما قامت أسقطت مبارك ورجاله، ولم أكن يومئذ من رجاله الذين أسقطتهم الثورة!

وقد أعلنت جماعة الإخوان أنها لن تخوض الانتخابات الرئاسية، لكنها بادرت وخاضتها. لا بأس قدر الله وما شاء فعل!

حل البرلمان

لقد قالوا إن الدافع لخوضهم الانتخابات الرئاسية هو تهديد رئيس الحكومة كمال الجنزوري بأن حكم حل البرلمان في درج مكتبه، فهل هذا صحيح فعلا؟ وماذا لو تم حل البرلمان؟ هل كانت مصر ستعيش بدون برلمان للأبد، والمجلس العسكري لم يكن شعبياً في قوة تمكنه من تحدي إرادة الجماهير للأبد. والمعنى، أن انتخابات برلمانية جديدة كان لا بد أن تجرى وسيحصد الإسلاميون الأغلبية أيضاً.. فأين يذهبون؟!.. أقصد العسكر؟!

لقد بدا واضحاً أن هذا الاندفاع نحو الترشيح للرئاسة بهدف إسقاط عبد المنعم أبو الفتوح، وبعد أن تبين أن كثيرا من شباب الإخوان جزء من حملته الانتخابية، وهذا تنظيم لا يصفي مع الذين خرجوا عنه أو خرجوا عليه. وكان الرجل القوي داخل الجماعة لا يسعده أن يفوز أبو الفتوح، والذي كانت البورصة ترشحه للإعادة مع عمرو موسى، ونجح في أن يكون بديلاً معقولاً لكثيرين من أنصار البرادعي، لم أكن من بينهم بالمناسبة، فرغم دفاعي عنه عندما تم الاعتداء عليه، وفتحت الجريدة التي كنت أتولى رئاسة تحريرها للنشر عن حملته الانتخابية مثل غيره من المرشحين الكبار، ومن بينهم الدكتور محمد مرسي، إلا أن حاجزا نفسياً يفصلني عنه، لا أعرف سببه، ولم يسبق أن التقينا وجها لوجه أبداً، بل لم أفكر في إجراء حوار صحفي معه، عندما حاورت معظم قيادات الجماعة في بداية التسعينيات!

ومهما كانت دوافع القوم لخوص الانتخابات الرئاسية (وهذا حقهم)، فقد كان ينبغي أن يعدوا للأمر عدته، بتقديم رجال الثورة والسياسة في الجماعة، لكن للأسف جرى تغييبهم لصالح رجال التنظيم، حيث السمع والطاعة. وكان ينبغي أن تكون المواجهة مع الدولة القديمة بكل مكونات الثورة، لكن ظن الرئيس أنه يمكن استمالتها، فلا يعين عبد الحليم قنديل مثلاً في المجلس الأعلى للصحافة، وإنما يعين خالد صلاح وإبراهيم حجازي وصلاح منتصر، ويكون المعروض عليه منصب وزير الإعلام ليس حمدي قنديل، ولكن عمرو الليثي، وفي وقت لاحق درية شرف الدين!

لقد بدا الأمريكان والألمان كمن يبحثون عن وجود عناصر تطمئنهم إلى عدم انحراف السلطة الجديدة إلى اتجاه معاد مع الوقت، فكان الاقتراح بالاستعانة بالدكتور البرادعي وعمرو موسى، وعُرض الأمر على الأخير مرتين ووافق، لكن طالب الولاية لا يُولّاها. وقد نُقل عن الرئيس محمد مرسي قوله "بعيد عن شنبه" في ما يختص بالدكتور البرادعي، والذي كان يمكن ترضيته ولو بمنصب "رئيس شرفي لمجلس الوزراء"، فليس له قدرة على البقاء في مصر، كما أن المعروض على عمرو موسى كان هو نائب رئيس وزراء للشؤون الخارجية؟ وما قيمة هذا المنصب أصلاً؟!

فهل كان عبد الفتاح السيسي هو من كان يحرض الرئيس على الدكتور البرادعي؟! وعلى رفض هذه المقترحات الأمريكية والألمانية؟!

ليس مستحيلا

لولا الغطاء الشعبي، والثوري، ما كان العسكر يمكنهم القيام بالانقلاب على الرئيس المنتخب، فهل كان كسب هؤلاء منذ البداية مستحيلا؟

هؤلاء كانوا يريدون دنيا؟.. نعم، ولم يكونوا مشغولين بالديمقراطية؟.. نعم، وكانوا يريدون الانتصار لأنفسهم وليس للثورة؟.. أيضاً نعم، وفي وصف جيش الرسول جاء قوله تعالى "منكم من يريد الدنيا .."!، ولسنا هنا في مجال زهد، أو في إسباغ قيمة أخلاقية على أناس خرجوا على الديمقراطية وانتصروا لأنفسهم بتمكين العسكر من عرض الثورة.

لكن هل كان استمالة هؤلاء صعباً؟.. لقد دعا الرئيس قادة جبهة الإنقاذ للقاء به، فوافقوا جميعا، وذهبوا للقصر الجمهوري واحداً تلو الآخر، وبدا اللقاء ودودوا، وكان واضحاً أن السيسي لم يدخل على الخط، فيمشي بينهم بالنميمة ليرتفع سقف المطالب.

كان طلبهم من الرئيس هو حل الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور، وبعد اللقاءات عرض مشروع الدستور على الاستفتاء!

لا بأس، لنفترض أن الانقلاب العسكري كان قدراً، وقد حدث ضد رئيس آخر ليس هو الدكتور محمد مرسي.. الأمر هنا سيرتبط بمدى استعداد الرئيس على المقاومة، وهنا كان سيخرج له أنصاره، ولن يكونوا بالكثافة التي خرجت تدافع عن الرئيس محمد مرسي!

وكان دور الإخوان لن يتعدى سوى القيام بدور "عمد البلاد ومشايخ العرب"، وهو دور الوسطاء، وعلى طريقتهم عندما تم حصار قطر، فبيان الإخوان كان موغلاً في الحياد، فدعوا إلى "رأب الصدع"، مع أن الأزمة سببها انحياز قطر للإخوان!

وفي الدعوة لرأب الصدع، كان سيمكنهم من أن يكونوا التيار القوي الذي يندفع كافة الأطراف لاستمالته، كسبا للود، وللشعبية، وباعتبارهم التيار الأكبر القادر على الحشد! ثم من كان سيمثل غطاء مدنيا للانقلاب العسكري، وهذه القوى المدنية ليست في خصومة مع الرئيس المنتخب!

وعندما يتراجع الإخوان عن مجابهة الانقلاب العسكري، فإن قرار خوضهم الانتخابات الرئاسية يكون خاطئاً من كل الوجوه؛ لأنهم هنا كالمنبت الذي لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى!

وكان الثمن بحجم التنظيم وبحجم العداء الخارجي له، وكان التردد في المواجهة بحجم انتشار التنظيم في الخارج وحساباته في كل قطر، ومن بريطانيا إلى اليمن.

قدر الله وما شاء فعل.