قضايا وآراء

صناعة القيادة الثورية (1)

1300x600

مع نسائم الفجر الأولى، فاتحا ستائر الشباك، أتأمل طلائع ضوء اليوم الجديد، وبيدي فنجان من القهوة الساخنة، فتحت جهاز الحاسب أطالع أخبار العالم، أستمع لشيء من الغناء، جرني فضولي للنظر إلى مقالي الأخير على موقع "عربي21"، الذي حمل عنوان "هل انتهى صراع الأجنحة في نظام الانقلاب؟".. ومع صوت علي الحجار في أغنية "أهو ده اللي صار"، وتحديدا عند كوبليه:

بدال ما يشمت فينا حاسد..

إيدك في إيدي نقوم نجاهد

وجدت تعليقا من أحد القراء جاء فيه: "... الأهم من صراع الأجنحة هو سباق البناء المطلوب، بناء لمنصات قيادة المقاومة السلمية في مصر، إحلال وتبديل منصات تتصدر مشهد المعارضة لتكون بمستوى المرحلة، هذا في ظني واجب الوقت".

ولأن الأجواء كانت موحية، ولأن القارئ محق في كثير من كلامه، ولأن واجب الكاتب هو بناء الوعي، فقد كان القرار هو كتابة مقال في صناعة القيادة الثورية وبناء المنصات الحاملة للثورة. ولأن الموضوع كبير، وتشريح الحالة يحتاج إلى كتب، فإنني سأمر مرورا سريعا بغير إخلال على ملامح صناعة الثورة، وكيفية صناعة قيادة لها، بادئا بوضع صورة للحالة المصرية شارحا القوى الفاعلة في المشهد المصري، ضاربا بعض الأمثلة مؤمنا في ذلك بأن الثورات تصنع قادتها، وأن معارضة الخارج ما هي إلا أداة لتهيئة الظروف لإنجاح القيادة التي سيفرزها الشارع. كما أنني مؤمن بأن الثورات تأكل أبناءها، وعليه فإن القيادات القديمة لن تجد لها مكانا في صدارة الثورة القادمة، أردت بداية كتابة قناعاتي تجاه الثورة وصناعتها، وهي القناعات التي يعرفها قادة المعارضة في الخارج ولا أخفيها. وأزيد أن الأمر ليس المناصب ولا الحكم، ولكن الإخلاص لهذا الوطن وهذا الشعب الذي يستحق الكثير ليكون في المكانة التي أرادها الله له منذ الفتح الإسلامي بقيادة هذه الأمة مترامية الأطراف.

لا يمكن العمل على صناعة ثورة ولا حتى مقدماتها، التي في الغالب تصنعها الأحداث، إلا بعد النظر في الظروف المحيطة والتداخلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكذا الحالة المزاجية للشعب في الفترة التي سيعمل عليها الثوار، إلا أنه يجب النظر في السياق نفسه للاعبين الرئيسيين بحسب أهميتهم وتأثيرهم على هذه الثورة، إذا أن اللاعبين الرئيسيين لهم دور في إنجاح تلك الثورة أو إفشالها. ولقد كانت لنا تجربة في ثورة يناير مستمرة حتى الآن، فاللاعبون الرئيسيون كان لهم دور في إيقاف عجلة التغيير التي بدأتها الثورة.

وتتغير أدوار هؤلاء اللاعبين ومواقفهم بحسب المعطيات على الأرض، وفي الإقليم وفي العالم، وبحسب مصالح كل طرف من الأطراف الفاعلة في الحدث.

فداخليا، هناك قوى مختلفة تؤثر على اندلاع ثورة جديدة في مصر، أولها بلا شك المؤسسة العسكرية التي تهيمن على مقاليد الحكم في البلاد وتمسك بيد من حديد على مقاليد الأمور حتى لا تنفلت، لكن السؤال: هل المؤسسة العسكرية على قلب رجل واحد؟ أظن أن الإقالات التي طالت قيادات كبيرة في المؤسسة أحدثت شرخا لما هو معتاد داخل تلك المؤسسة؛ من بناء تكتلات حول أي قيادة يجمعها التسهيلات التي تمنحها تلك القيادة لهؤلاء الرجال. لهذا، فإن الولاءات في المؤسسة العسكرية لأفراد، ومن ثم بات على القيادة الجديدة أن تقدم ما كانت تقدمه القيادة القديمة، أو أن العصا ستقف في الدواليب لتعطيل حركة القيادة الجديدة، وهو ما يعني رد فعل إقصائيا من تلك القيادة، وهو ما يصل بالنتيجة إلى أن وضع القيادات الوسطى ليس مستقرا. وإن أحجمت عن التمرد لثقل قبضة الأجهزة الرقابية، إلا أنها في نفس الوقت لن تمانع من إيجاد فرصة لإزاحة القيادة الجديدة.

وحبذا لو ظهرت في هذا الموقف بمظهر الوطنية، لكن في المقابل، فإن البنية التنظيمية والحوافز والإغراءات التي يقدمها النظام للمؤسسة العسكرية تجعل القيادات العليا والوسطى، وحتى الصغيرة، تتمسك بالمكتسبات والرشى التي يغدقها النظام عليها، ومن ثم فإن المؤسسة العسكرية أبعد ما تكون عن دعم ثورة مقبلة. وما قيل على الجيش يصدق على وزارة الداخلية التي يتمتع أفرادها بنفس المميزات، وفي الغالب سيتمسكون بما كسبوا، يزيد على موقفهم ثأرهم من الشعب الذي ثار عليهم في 25 يناير.

انتهت المساحة المخصصة للمقال، لكن على وعد أن نكمل سرد اللاعبين الرئيسين في المشهد المصري، وتأثير كل منهم، وصولا لاستيضاح المشهد لصناعة قيادة ثورية واعية تقود البلاد للتغيير.