صحافة دولية

فورين بوليسي: مؤسسة السياسات الخارجية الأمريكية يائسة

فورين بوليسي: كون الإدارات السابقة ارتكبت أخطاء ليس سببا لئلا ننتقد الأخطاء الحديثة- جيتي

نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالا للبروفيسور ستيفين والت، الذي يشغل كرسي (روبرت اند ريني بيلفير) للعلاقات الخارجية في جامعة هارفارد، يقول فيه إن كنت خبيرا تدافع عن قضية ضعيفة فإن هناك عدة أساليب يمكن استخدامها. 

 

ويقول والت: "يمكنك تشويه رأي من يختلف معك ليسهل عليك انتقاده، ويمكنك تشويه الحقائق التاريخية لتكون ما تسمى بالأدلة تدعم قضيتك أكثر مما هو واقعا، ويمكنك الاعتماد على الجرم بالتبعية بأن تقول إن آراء من لا يتفقون معك هي الآراء ذاتها لأشخاص يعدون خطيرين أو مشكوكا في سلامة قدراتهم العقلية". 

 

ويشير البروفيسور في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن "المؤرخ هال براندز أظهر في مقال له في (بلومبيرغ) مهارة في استخدام الأساليب الثلاثة، واستهدف مجموعة من ثلاثة علماء -جون ميرشيمر وباري بوسين وأنا- نشروا اعمالا تنتقد السياسة الخارجية الأمريكية مؤخرا، وأبرزوا بعض إخفاقات مؤسسة السياسة الخارجية، ويشير براندز إلى أن الرئيس دونالد ترامب كان أيضا منتقدا لقرارات سياسية خارجية في الماضي، وصب جام غضبه على أجزاء من المؤسسة ذاتها".  

 

ويلفت والت إلى أنه "بحسب براندز، فإن هذا الانسجام يعني أن العلماء الثلاثة منحازون إلى الرئيس الخامس والأربعين، وقال: (غريب أن تجد أكاديميين في بعض أكثر الجامعات الأمريكية نخبوية يتفقون بحماس مع دونالد ترامب)".

 

ويتساءل الكاتب: "هل ترى المنطق في هذا؟ ترامب منتقد للسياسة الخارجية الأمريكية ومن هم مسؤولون عنها، وكذلك ميرشيمر وبوسين ووالت، وبالتالي فإن ميرشيمر وبوسين ووالت أنصار (متحمسون) لترامب، ومع أن تراندز يعترف لاحقا بأن جميعنا الثلاثة كنا (منتقدين لترامب نفسه)، فإن المعنى هو أنه بينما قد نجد ترامب كريها على المستوى الشخصي، إلا أننا نحمل النظرة ذاتها للشأن العالمي، ونؤيد تقريبا السياسات ذاتها". 

 

ويعلق والت قائلا: "ليست هناك حاجة للقول بأن تكتيك التشويه هذا لا يقوم على أساس، ومع أننا نحن الثلاثة نعتقد أن السياسة الخارجية الأمريكية في العقود الأخيرة تدهورت، إلا أننا انتقدنا أيضا الطريقة التي تعامل بها ترامب مع السياسة الخارجية والمعتقدات خلفها، وقراءة سريعة لمقال بوسين (صعود الهيمنة اللاليبرالية) في (فورين بوليسي)، أو الفصل السادس من كتابي (جحيم النوايا الحسنة) يظهر هذا دون شك".

 

ويجد الباحث أنه "يمكن لأي شخص لعب لعبة الجرم بالتبعية، فبراندز يعتقد أنه يجب أن تستمر أمريكا في كونها أقوى دولة عسكريا، وهل تعلم أن هذا ما يعتقده ترامب، كما أن براندز يعتقد أن الصين تمثل تحديا اقتصاديا، وكذلك ترامب، بالإضافة إلى أن براندز كتب بأنه (قد يستحق الأمر إبقاء 10 آلاف جندي أمريكي تقريبا (في أفغانستان) إن كان فعل ذلك يمنع حركة طالبان من كسب المعركة، ويحرم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة من الحصول على ملاذات آمنة).. وهذا أيضا ما قرر ترامب فعله، وبموجب المنطق ذاته الذي استخدمه فإنه أكثر تأييدا لترامب منا، إلا أني لا أعتقد أن الأمر كذلك.. لكن أحببت أن أثبت أن استخدام الجرم بالتبعية هو أسلوب زائف لكسب جدال".

 

ويرى والت أن "براندز يشوه وجهة نظرنا بأسلوب آخر، فهو يدافع عن مؤسسة السياسة الخارجية بالاحتجاج بأن (التفاعل العالمي المستمر)، الذي تدعو (المؤسسة) له أدى (دورا مهما) في نجاح السياسة الخارجية، مثل حرب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وحرب الخليج الأولى في 1991، وكأنه يقول إن من ينتقد المؤسسة اليوم هو معارض (للتفاعل العالمي) وأننا نشبه دعاة للعزلة". 

 

ويقول الكاتب إن "هذا أيضا ليس صحيحا، فنحن الثلاثة أيدنا حرب الخليج عام 1991، ودائما ما ركزنا على أهمية أن تبقى أمريكا ملتزمة عالميا من ناحية اقتصادية، ودبلوماسيا، وفي بعض الأحيان عسكريا، فمثلا كتبت أنا وميرشيمر كثيرا عن الحاجة للتوازن مع الصين في آسيا، وهو جهد يحتاج إلى وجود عسكري مستمر هناك، ونعتقد أن السياسة الخارجية الأمريكية منذ انتهاء الحرب الباردة كانت فاشلة في معظمها، خاصة إذا ما أخذنا في عين الاعتبار الأهداف التي وضعها كل رئيس من بيل كلينتون وحتى الآن، وأن سياسية خارجية متحفظة أكثر وواقعية ستكون أفضل للبلد، لكن لا أحد منا يدعو للعودة إلى (أمريكا القلعة)، ناهيك عن نسخة ترامب (أمريكا أولا)".

 

ويبين والت أن "هذا ما يوصلنا إلى قراءة براندز للسجل التاريخي، فدفاعه عن السياسات الخارجية الأمريكية الحديثة يرتكز على الادعاء بأنها لم تكن سيئة جدا في الواقع، ويمكن أن يرى الشخص ذلك في تصويره الحرب في كل من العراق وأفغانستان على أنهما (محبطتان)، فالإشارة إلى هاتين الحربين على أنهما (محبطتان)، تشبه تسمية حادثة وقوع المنطاد الحامل للمسافرين هيندنبرغ بـ(حادث مؤسف) أو تسمية إعصار ساندي (طقس ساحلي سيئ)". 

 

ويستدرك البروفيسور بأن "هذه الانهيارات هي أوضح أمثلة على الأخطاء الفادحة في السياسة الخارجية الحديثة، ويمكن أن يضاف إليها القرار لتوسيع حلف الناتو، ما سمم العلاقة مع روسيا، وساعد على إشعال الأزمة في أوكرانيا، والدبلوماسية السيئة التي أدت إلى حرب كوسوفو، والحماقة الاستراتيجية للاحتواء المزدوج، التي تطلبت إبقاء آلاف الجنود في السعودية، وهو ما أدى إلى هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، والتدخل الأمريكي الفاشل في ليبيا واليمن والصومال، ورفض التفاوض الجاد مع إيران، عندما لم تكن لديها أي أجهزة طرد مركزي حتى امتلكت الآلاف منها، وسوء التعامل مع عملية اوسلو للسلام من الحزبين، وغيرها الكثير".

 

وينوه والت إلى أن "براندز يذكر، وهو محق في ذلك، بأخطاء كبيرة ارتكبها زعماء أمريكيون سابقون، وربما كان أوضحها حرب فيتنام، لكن كما أشرت في كتابي الأخير فإن (الأداء العام لبعض الإدارات السابقة كان جيدا، خاصة عندما يعد الشخص أنها كانت تتعامل مع قوى كبيرة تسعى للتمدد (ألمانيا واليابان في الحربين العالميتين)، أو مواجهة قوة نووية عظمى مساحتها كمساحة قارة استهوى فكرها الثوري دعما كبيرا في أنحاء العالم... لقد كان لهم نصيبهم من الأخطاء... لكنهم أيضا كان مصيبين في كثير من الأمور المهمة)".

 

ويذهب الكاتب إلى أنه "بالمقارنة، فإن نخبة السياسة الخارجية اليوم بدأت في أمريكا، وهي على قمة عالم أقل خطرا، وتقدموا ليخطئوا في أهم الأمور، وليست هناك إدارة تفشل في كل شيء طبعا، لكن لا يمكن لكلينتون أو جورج بوش الابن أو باراك أوباما أن يشيروا إلى نجاح كبير في السياسة الخارجية، وكل منهم ارتكب أخطاء كان يمكن تجنبها، وبالنسبة للثلاثة فإن سبب الفشل يعود إلى التزام الحزبين بـ(الهيمنة الليبرالية)، فكرة أن على أمريكا استخدام نفوذها الواسع لنشر القيم الليبرالية في العالم بطريقة سلمية إن أمكن، وبالقوة إن لزم الأمر، وهذا ليس مجرد تفاعل، بل هو جهد لإعادة تشكيل السياسة المحلية في أماكن كثيرة، وبقيت مؤسسة السياسة الخارجية ملتزمة جدا بهذه النظرة للعالم، بالرغم من الإخفاقات التي نتجت عنها".   

 

ويؤكد والت أن "حقيقة أن الإدارات السابقة ارتكبت أخطاء أيضا ليست سببا لئا ننتقد الأخطاء الحديثة، أو تبرئة ساحة المسؤولين عن تلك الأخطاء، وادعاء براندز بأن النكسات الأخيرة (ليست أسوأ من أي نكسات أخرى على مدى الثلاثين سنة الماضية)، هو وصفة للرضا عن النفس تجعل الاحتمال أكبر في تكرار الأخطاء الماضية". 

 

ويقول الباحث إن "براند يختلف معنا حول كيف يجب أن تكون استراتيجية أمريكا الكبرى، وهذا حقه، فهو يعتقد أن الهيمنة الليبرالية نجحت بشكل جيد، وأن على أمريكا أن تلتزم بها، وبناء عليه فهو يعتقد بأن النخبة من الحزبين، التي تبنت هذه الاستراتيجية، تقوم بعمل جيد، وهو حر في رأيه، ونرحب به أن يقوم بتحدي آرائنا بناء على مزاياها". 

 

ويختم والت مقاله بالقول: "فلماذا إذن المحاولة بربطنا بترامب وتشويه آرائنا بطرق أخرى؟ يمكن أن يشك الشخص بأن السبب هو أن براندز يعلم أنه يدافع عن قضية ضعيفة، وأن الشعب الأمريكي لم يعد يقبل تصديقها، وقد يخشى أيضا أن العامة (وعدد متزايد من السياسيين) سيجدون ما يشفي غليلهم في البدائل التي اقترحناها، وإن كان الأمر كذلك فيمكن فهم لماذا يحتاج وقتا إضافيا لتشويه سمعة البدائل، واستعداده لاستخدام تكتيكات غير لائقة لفعل ذلك".

 

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)