قضايا وآراء

أمريكا ومعضلة خاشقجي

1300x600
أرهقت أزمة خاشقجي الإدارة الأمريكية التي تخوض معركة داخلية ساخنة على وقع الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي؛ وعلى وقع تحقيق مولر المتعلق بالتدخل الروسي بالانتخابات الرئاسية؛ المتوقع أن تعلن نتائجه بعيد انتخابات الكونغرس.

زادت من أعباء واشنطن

جاءت أزمة اختفاء الصحفي خاشقجي لتضيف عبئا جديدا على الإدارة الأمريكية؛ فرغم محاولات الإدارة الأمريكية تجاهل الأزمة في بداياتها على أمل تجاوزها إلا أن إصرار الصحافة الأمريكية ومن بعدها أعضاء الكونغرس والمسؤولين السابقين في المؤسسات السيادية على مناقشة الملف؛ وجدت الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة للانخراط في الملف على كل المستويات وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي الذي أوفد وزير خارجيته إلى الرياض وأنقرة للبحث عن مخرج مناسب للأزمة.

 الإدارة الأمريكية تبدو مرهقة فهي تتعرض لضغوط كبيرة من قبل أعضاء كبار في الكونغرس على رأسهم السيناتور الجمهوري في لجنة الشؤون الخارجية كروكر وليندسي غراهام كما انخرطت فيها قيادات ديمقراطية على رأسها بيرني ساندرز؛ فالإدارة الأمريكية تتعرض بشكل يومي لضغوط ويضيق الخناق على حركتها وتصريحاتها ومناوراتها تجاه القضية بشكل يومي؛ بشكل أربك الإدارة الأمريكية ودفعها إلى إطلاق تصريحات انعكس بعضها على الأسواق المالية السعودية.

تزايد المطالبة بالتحقيق 

 تفاقمت المسألة بتوالي ردود الفعل الدولية وعلى رأسها ردود الفعل الأوروبية الألمانية والفرنسية والبريطانية بالدعوة إلى تحقيق شفاف؛ تبعها انخراط الدول العربية في بيانات دعت إلى تغليب الحكمة ودافعت عن العربية السعودية باعتبارها مستهدفة بحملة سياسية وإعلامية تستبق البت في حادثة اختفاء الصحفي خاشقجي ومصيره لتتحول القضية إلى قضية رأي عام دولي وملف متدحرج ككرة الثلج في الساحة الدولية والداخلية في السعودية والأمريكية.

 أوفدت الإدارة الأمريكية وزير خارجيتها مايك بومبيو لتخضع نفسها لاختبار صعب؛ فالرئيس الأمريكي انخرط في أتون أزمة خطيرة تبعت الخطابات الساخنة التي توج فيها الحملة الانتخابية للحزب الجمهوري ودعا فيها الرياض لدفع المزيد من الأموال لتغطية كلفة المظلة الأمنية الأمريكية التي توفرها واشنطن للدول الغنية لتأتي قضية خاشقجي فتربك حساباته وحملته الانتخابية.

ترمب لم يغب عن الأزمة رغم تجاهله لها في البداية ما دفعه إلى إصدار تصريحات متناقضة ومتضاربة تارة تدعو إلى التهديد بمعاقبة السعودية وتارة تدعو إلى تحقيق شفاف؛ وتارة يدعي فيها بأنه لا يريد ابتزاز السعودية؛ وأخرى يقول فيها إنه وأسرته لا يملك مصالح مع السعودية؛ فالارتباك كبير في إدارة الرئيس الأمريكي والخشية من التورط في ملف لا يملك سيطرة تامة على مخرجاته مسألة باتت تزيده إرباكا؛ وقلقا خصوصا وأن تركيا تملك أغلب الأوراق المرتبطة في الملف ما يفسر إيفاد وزير خارجيته إلى تركيا .

مركزية الموقف التركي

 تركيا التي تتحكم إلى حد كبير في مسار تطور القضية ونوعية المعلومات المنشورة والمسربة أو الإجراءات المتبعة؛ وجدت في زيارة بومبيو فرصة للتأكيد على قوة موقفها إذ استقبل الرئيس التركي أردوغان وإلى جواره وزير الخارجية ومدير المخابرات التركية ترمب ولمدة 35 دقيقة في قاعة الاستقبال في المطار قبيل توجه الرئيس التركي إلى مولدافيا؛ ما يعني أن تركيا لا ترغب في تحويل مسار التحقيقات وإبقاء الملف يتفاعل في الساحة الدولية ولدى الرأي العام الدولي والحد من تأثير الولايات المتحدة في تطور مساره.

تركيا بذلك لم تعط زيارة وزير الخارجية الأمريكي اهتماما كبيرا في ما يتعلق بملف خاشقجي؛ فهو ملف قضائي ذو تداعيات سياسية في الساحة الدولية وقضية رأي عام لا تستطيع الإدارة الأمريكية التحكم بمخرجاتها؛ وتحديد مسار تطوره أو كبح جماح المعلومات المتدفقة المرتبطة به . 

اللقاء الذي عقد لمناقشة ملف خاشقجي انتهي دون حسم الملف ليكتفي بومبيو بالإعلان عن دعم التحقيقات التركية؛ تركيا حيدت ملف خاشقجي وحدّت من تأثير الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولم يمنعها ذلك  استثمار التحرك الأمريكي بالتأكيد على تلكؤ الإدارة الأمريكية في سحب قوات الـ (PYD) من منبج؛ وداعية إلى تصفية ملف القس برنسون وإنهاء العقوبات الأمريكية.

ختاما ملف خاشقجي تحول إلى معضلة جديدة للإدارة الأمريكية وملف مرهق جديد يضغط على فعاليتها؛ فتطورات الملف تتداعى في ساحتها الداخلية؛ وهنا تكمن معضلة أزمة خاشقجي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية؛ فالملف تحول من أزمة دبلوماسية وقضية سعودية تركية إلى ملف أمريكي داخلي يثير الكثير من الجلبة والفوضى في الساحة الأمريكية المضطربة أصلا .