كتاب عربي 21

المغرب.. الهروب الكبير!

1300x600
في عرض البحر قُتلت "حياة" وهي تحاول الهجرة "سرّيا" في اتجاه الجارة إسبانيا، وفي الرباط يُعلن الأمين العام لحزب الحركة الشعبية ترشحه لخلافة نفسه في رئاسة الحزب لولاية تاسعة. هذا هو المشهد بمغرب دعا فيه الملك في خطابيه الأخيرين إلى ضرورة تشبيب الأحزاب السياسية وانفتاحها على الكفاءات، وضرورة الاهتمام بتشغيل الشباب المغربي باعتبار الأمر مبتغى كل الإجراءات الاقتصادية المتخذة منذ سنوات. 

مغرب يشيخ 

وبين الخطابات الرسمية والواقع على الأرض مسافات ضوئية تنذر بالقادم الأسوأ الذي يحذر منه الجميع. إنه مغرب يشيخ في عزّ فورة الشباب الذي لم يعد يجد من سبيل لـ "تحقيق الذات" غير ركوب أمواج البحر الأبيض المتوسط في اتجاه "الفردوس الأوروبي".

اسمي رشيد.. لا لا ماشي رجلي لي راكم تشوفوا فيهم. هادو رجلين عمر صاحبي.. أكثر من صاحبي.. كي خويا.. قرر يفارقنا بلا ما يخبرنا.. النهار هداك كان علينا كحل. (حركة الكاميرا تنتقل من قدمين معلقتين إلى أعلى حيث يبدو جسد عمر مشنوقا ومدلى).

وعلى خلفية صور من سوق شعبي بمستغانم الجزائرية، حيث يتوزع الشباب في كل الأرجاء بلا شغل. تتبع الكاميرا شخصا من الخلف دون إظهار ملامحه. يتواصل الصوت من خارج الصورة.

هذا لي راه مقلق تاني مش أنا.. هذا ناصر صاحبي كيف كيف كي خويا. كبرنا في سيتي (حي) وحدة. ناصر هو البوغوص (الوسيم) تاع الكارتيي (الحي). هو وأنا وعمر عولنا نحرقوا.. نحرقوا.. نهاجروا. معناها نهربوا من هاد لبلاد وننساو كلشي كيفما داروها لي سبقونا وراح يديرها لي راهم جايين.

انتقال على أخت بطل الفيلم رشيد وهي تقرأ رسالة منه نسمعها بصوته المتواصل..

إيمان أنا رايح.. تلات خطرات وهما يحكموني (يقبضون علي) هاد الخطرة ما ينجموش. وانا نكتب فهاد لكلام عندي إحساس يحير ما رانيش فاهم كيفاش سكن لي راسي.. بلادي زلات نقطة كحلة لي باقا تكبر حتى استعمرت دماغي. اختي العزيزة تذكري اش قلت ليك نهار مخلتينيش نروح.. إذا رحت نموت وإذا ما رحتش نموت.. اللهم نروح ونموت.

والمشاهد تلك افتتاحية لفيلم (حراقة ـ 2009) للمخرج الجزائري مرزاق علواش.

الـ "حراقة" هم المهاجرون السريون أو هكذا كانوا فقد صارت الهجرة السرية، في تحول دراماتيكي، إلى العلن بل مطلبا شعبيا يتظاهر الشباب على الشواطئ المغربية في سبيل تحقيقه وبالمجان، مستكثرين على الدولة الحق في حماية حدودها البحرية من الاختراق. هو نفس الشعب الذي يطالب بالأمن يرى في ترك الحدود مفتوحة لتحقيق حلم الهجرة مجرد تفصيل.

لم يخل أي برنامج حكومي بالمغرب من النية في تمكين الشباب وتأمين سبل العيش الكريم له من تعليم وتطبيب وأمن وتشغيل. لكن الحصيلة مع ذلك ظلت سلبية تتقاسم مختلف التشكيلات الحكومية وزرها.

فوضعية الشباب المزرية ليست وليدة اليوم بل نتاج تراكم سياسات عمومية أثبتت فشلها وعجزها عن التصدي لمختلف أوجه الأزمة المرتبطة بالوضع العام بالمملكة. النتيجة ما نشرته الصحيفة الإسبانية (أ ب س) عن وجود ما يقارب الخمسة آلاف قاصر مغربي غير مصحوب دون احتساب من لم يشملهم الإحصاء الرسمي إضافة لمائتين وخمسين ألف مهاجر مغربي غير شرعي. 

أزمة بنيوية

في الماضي، كانت الهجرة "السرية" مقتصرة على الشباب لكنها تحولت اليوم عائلية كما مست الأطفال اليافعين، وهو مؤشر مهم على حدة الأزمة البنيوية وفشل السياسات الحكومية المتعاقبة في تأمين الحقوق الأساسية للمواطن بشكل يكاد يولد نوعا من عدم الانتماء إلى الوطن، كما تبلور في أشكال احتجاجية مختلفة نادى خلالها المحتجون بإسقاط الجنسية عنهم وفتح الحدود أمامهم للهروب من جحيم المعيش اليومي. الاختلالات البنيوية وقصور الاستفادة من ثمار النمو الاقتصادي حملتها خطابات ملكية وتقارير حكومية رسمية لكن الوضع ما عاد يحتمل التشخيص بل يحتاج لإجراءات عملية تحقق القدر الأكبر من العدالة في توزيع الثروة وخلقها.

مقبرة الأحلام

في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الثانية كان مضيق جبل طارق مقبرة لأحلام الحالمين بالوصول للضفة الشمالية من البحر المتوسط. وكانت أخبار مراكب الموت/مراكب الحياة تتصدر العناوين والأخبار قبل أن تتوارى لصالح ممرات بحرية بديلة تولت مهمة تهريب مهاجرين جدد هاربين من جحيم الحرب السورية، أو مهاجرين أفارقة مخضرمين وجدوا في ترهل وتفكك بنيات "الدولة" الليبية الوليدة فرصة للمغامرة في اتجاه الأراضي الإيطالية، قبل أن تضطرهم التدابير المتخذة في دول العبور هناك ووصول اليمين لدفة الحكم بروما للعودة مجددا إلى الممر التقليدي، الأقرب للشواطئ الأوروبية، ليستعيد المغرب مكانته كـ "دركي" لأوروبا بما يعنيه ذلك من مساعدات مالية وورقة ضغط يمكنه استخدامها بين الحين والآخر في مفاوضات ملفات مختلفة لا تنتهي حتى تبدأ من جديد.

الجديد في الموضوع أن المغرب، ولأسباب سياسية، تحول إلى بلد هجرة وهو الذي لا يزال مصدرا لها، بل إنه صار يقبل استقبال المهاجرين الأفارقة المرحلين من أوروبا، والبداية كانت في 23 من شهر آب/أغسطس الماضي، لينضموا لجحافل المنتظرين في غابات الشمال ومدنه لأول فرصة عبور جديدة أو آلاف ممن سويت وضعيته القانونية دونما إجراءات اقتصادية مرافقة، فاحتلوا مدارات المدن وطرقاتها يتسولون من سائقي السيارات قوت يومهم، يتنافسون في ذلك مع المتسولين المغاربة وبعض من اللاجئين السوريين. 

وزارة الشغل والإدماج المهني كشفت في تقرير لها صدر قبل أيام أن عدد من أدمجوا من المهاجرين الأفارقة في سوق الشغل النظامي لم يتعدوا الأربعين نفرا. خطوات الحكومة لـ "حل" المسألة كانت إبعاد الآلاف في اتجاه مدن الجنوب والبدء في الترحيل خارج المغرب وهو ما عرض الحكومة لانتقادات حقوقية محلية ودولية، وحملها أعباء ما كانت لتتحملها لولا أن المغرب، وعلى لسان الوزير المنتدب المكلف بشؤون الهجرة، "الدولة الوحيدة التي لا تطرح فيها قضية الهجرة في النقاش السياسي الداخلي إبان الانتخابات أو خارجها". 

تأجيج للأوضاع

الوزير عبد الكريم بنعتيق يعرف قبل غيره أن القرارات المتعلقة بإدماج المهاجرين الأفارقة وتحويل المغرب إلى دولة استقرار للمهاجرين أكبر من أن تتداول فيها الأحزاب أو الحكومة بل هي صادرة عن القصر مباشرة ولا تقبل إلا التنفيذ. الدفاع عن مغربية الصحراء واختراق القارة الإفريقية ومنظماتها السياسية خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن تأزيم الأوضاع الداخلية للبلاد بفتح الأبواب مشرعة لتسوية أوضاع مهاجرين "عشوائيين"، بشكل حول المغرب لمجرد مخيم لتجميع المهاجرين في غياب بنيات استقبال مناسبة، هو تأجيج للأوضاع وقنبلة قابلة للانفجار في أي وقت وحين.

مصطفى الخلفي، الناطق الرسمي باسم الحكومة، أعلن قبل أيام في معرض دفاعه عن الخطوات المغربية في مواجهة عصابات تهريب البشر، أن المملكة فككت أكثر من سبعين شبكة إجرامية تنشط في المجال، وأحبطت أربعا وخمسين ألف محاولة تهجير بمعدل يقارب 150 محاولة يوميا. الرقم مخيف وجرس إنذار للضفتين يحتاج إجراءات عملية تمنح أبناء الجنوب الأمل في حياة كريمة تقيهم شر المغامرة ومواجهة أهوال رحلة محفوفة بالمخاطر على البر كما البحر. ولأول مرة اضطرت البحرية المغربية إلى استخدام الرصاص الحي في مواجهة قارب يحمل مهاجرين "سريين" لتسقط الشابة حياة، ويا لسخرية الأسماء، ضحية أولى للأجواء المشحونة بالتحدي في مواجهة السلطة التي شهدتها الشواطئ المغربية طوال أسبوعين، في تطور أعتبره ابن عم الملك هشام العلوي "مقلقا يدعونا إلى التأمل العميق لتفادي الانزلاقات".

التنفيس عن الاحتقان، بما فيه التغاضي عن هجرة سرية تحولت إلى العلنية، لم يكن يوما الحل الأمثل لمسببات ودواعي الانزلاقات التي لا تنقص وضعية اجتماعية تميزت في السنوات الأخيرة بتأزيم، بدا في بعض الأحيان متعمدا، حيث تحولت الاحتجاجات من قطاعية إلى مناطقية قبل أن تعود فردية رفعت السقف عاليا في انتقاد الملك مباشرة والتطاول عليه. وعندما يصبح الملك/رأس النظام في مواجهة مباشرة مع الشعب، ويصبح التجنيد/الجيش الملاذ الوحيد لحسم "الصراع"، فإن صور الدمار التي ألف المغاربة مشاهدتها على التلفزيون هناك بعيدا، تقترب شيئا فشيئا وقد تتحول واقعا يوميا معاشا.