قضايا وآراء

الأردن بين حراكين ... حكومي صاخب واجتماعي هادئ

1300x600
لم تنته رحلة رئيس الوزراء الاردني عمر الرزاز بعد؛ إذ التقى مؤخرا مجموعة من الشباب الذين أطلق عليهم صفة الحراكيين على طاولة عشاء لم تتطاير عنها الصحون ولم ترتفع فيها الأصوات؛ في حين اشتبك وزراؤه وأركان حكومته مع المواطنين الغاضبين في المحافظات الأردنية والعاصمة عمّان في صخب وضجيج غير معهود وذلك ضمن جولة لمناقشة قانون ضريبة الدخل.

حراك حكومي وضجيج مرتفع؛ يقابله صخب هادئ حول حقيقة هذه اللقاءات وما يقال فيها، فعامة الجمهور متفاجئ من هذا الصخب والضجيج والجرأة غير مسبوقة في الطرح؛ تذكر بحراك الدوار الرابع الذي أثار ذات الجدل وذات الشكوك حول منظميه والأطراف المشاركة والمتورطة فيه؛ إلى حد أطلق علية البعض حراك "ميكي ماوس" عاكسا مستوى التشكك في دوافعه ومنظميه.

في مقابل الحراك الحكومي برز النشاط الملكي في الاشتباك مع الواقع الاقتصادي والسياسي؛ إذ تميز شهرا آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر بكثافة اللقاءات الملكية، اذ التقى الملك عبد الله الثاني العديد من الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية؛ لقاءات ناقشت الإصلاح الاقتصادي ومواجهة الإجراءات الأمريكية تجاه الأونروا؛ التي تتوافر في الأردن على 171 مدرسة تخدم 172 الف طالب  و25 مركز صحي تخدم ما يقارب مليون وستمائة ألف لاجئ؛ بالإضافة إلى أربع آلاف متدرب و7 آلاف معلم وموظف؛ ما يجعل من انهيارها كارثة تضاف إلى أزمة الاقتصاد الأردني لتتحول إلى أزمة مزدوجة.

لم تتوقف اللقاءات الملكية وكان آخرها لقاء لمناقشة الاستراتيجية الوطنية للتنمية البشرية ولقاء مع إعلاميين أردنيين؛ إذ إن الاهتمام الملكي بات واضحا على المعركة الإعلامية التي تدور في البلاد والتي تقودها مواقع التواصل الاجتماعي وعلى رأسها فيديوهات تلاقي رواجا كبيرا تقدم شرح مبسطا لتداعيات قانون ضريبة الدخل وتناقش الضرائب التي يدفعها الجمهور؛ وفاتورة الكهرباء التي تعد أحد أشهر نجوم مواقع اليوتيوب اليوم.

حراك هادئ

رغم أهمية المعركة الإعلامية والصخب المرافق لجولات الوزراء وحواراتهم في المحافظات؛ إلا أن هذا الصخب يسير بالتوازي مع حراك خفي وبصخب هادئ من نوع آخر يشكك في كل شيء ويستخدم لغة الإشارة؛ صخب خفي وهادئ تكشفه حقائق رقمية واقتصادية تتسلل بهدوء بعيدا عن أعين المشتبكين في مناقشات حامية لقانون الضريبة.

إذ أعلن مؤخرا أن احتياطات المملكة من العملات تراجع إلى 9 مليارات ونصف المليار بعد أن كان قبل شهر 10 مليارات ونصف المليار دولار؛ ومتراجعا عما كان عليه قبل ثلاثة أشهر ما يقارب الملياري دولار بعد أن كان 11 ونصف المليار؛ في ذات الوقت أنباء عن انسحاب 250 مليون دولار من الإستثمارات إلى خارج المملكة بهدوء وذلك قبيل الاعلان عن نتائج مفاوضات صندوق النقد الدولي؛ حراك المال والأعمال والعمالة الأردنية لا يكاد يتوقف بهدوء وبدون صخب.

 حراك حقيقي تسارع  بعد الكشف عن قانون الضريبة الذي أثار صخبا كبيرا في البلاد؛ فالقانون شجع المزيد من المستثمرين المترددين والمغتربين والعمالة الماهرة على سحب المزيد من رؤوس أموالهم في الأسبوعين الماضيين ودفع المزيد من الشباب إلى الجد والاجتهاد في البحث عن أسواق عمل حتى ولو في الصين؛ حراك حقيقي تكشفه الأرقام يوما بعد يوم بعيد عن الإعلام واللقاءات الصاخبة.

تراجع الاحتياط

تراجع الاحتياطات النقدية أحد المؤشرات المهمة في البلاد؛ إذ تعني تراجع الإنتاجية والصادرات وتراجع التحويلات الخارجية وعلى رأسها تحويلات المغتربين وهروب رأس المال والمشاريع الإستثمارية بوتيرة متسارعة خلال أقل من 3 أشهر فقط؛ وتيرة رفعت من مستوى البطالة ودفعت المزيد من الشباب والعمالة الماهرة للبحث عن مخارج معقولة بدل التكدس في طبقات البطالة وتصنيفاتها المتنوعة. 

ما يحدث في الأردن بات مثارا لعجب قطاع من الجمهور الأردني واستغرابه، إذ لا يعلم أحد الهدف من هذه المعركة والحراك الصاخب والتي يقابلها حراك هادئ وخطير؛ فالمعركة ستنتهي عاجلا أم آجلا بتمرير قانون الضريبة ومعه قوانين انتخابية بحسب البعض؛ تخدم مسارا سياسيا واقتصاديا بعينه مكرسة الفجوة التي يتم مأسستها يوما بعد يوم بقوانين اقتصادية وإصلاحات سياسية مرتقبة؛ ولا تحتاج إلى كل هذا الصخب بحسب الكثير من المراقبين والمتفاعلين مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة.

ختاما: مسارات متعددة تتفاعل في الأردن حصيلة ما يستنتجه المراقب للمشهد الأردني؛ مسارات يصعب تحديد وجهتها في المرحلة المقبلة؛ غير أنها تعكس اتساع الفجوة بين كافة الشرائح الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني من الارتباك والفوضى؛ فالمسار الصاخب يقابله مسارات هادئة ولكن مقلقة بقدر أكبر من المسارات الصاخبة؛ فهي تتطور وتتفاعل مع الحدث بطريقة سلبية ولا يعلم بالتحديد وجهتها الحقيقية؛ إذ لم يتمكن المسار الحكومي من جذبها إلى المربع ذاته نتيجة الفجوة المتسعة وتضارب المصالح والتوجهات دافعا نحو حالة من التخبط والفوضى في الحوارات العامة؛ فالأردن في المحصلة النهائية افتقد للحوارت الاستراتيجية العميقة ويتحرك في الدقيقة الأخيرة من الوقت الضائع مثيرا قدرا كبيرا من الجلبة في حين أن الوقت بات العملة الأكثر عرضة للنضوب في المرحلة المقبلة؛ ما يعني إمكانية تحول العصا السحرية إلى عصى خشنة.