كتاب عربي 21

السيسي على طريق بوتين!

1300x600
"خذ هذا الكلام وألقه في البحر"!

هي عبارة يقولها أهلنا إذا كان كلامهم لن يجد آذانا صاغية، ولن تستوعبه العقول، لغرابته أو نحو ذلك!

أما الكلام، فهو أن الطريق ليس معبّدا إلى الآن أمام فكرة تعديل الدستور في مصر، وأن السيسي والذين معه يدركون ذلك ولهذا فهم يفكرون في أكثر من خيار!

كنت دائم القول إن السيسي لن يبقي على "صدقي صبحي" وزيرا للدفاع، وقد عثرت بالصدفة على مداخلة تلفزيونية لي مع "محمد ناصر" على قناة "مكملين" قلت فيها هذا المعنى، وجزمت بأنه لن يبقيه في موقعه كثيرا، وقد حدث هذا قبل أن يُكمل ما قلته سنة واحدة، وربما اعتبر البعض أن هذا ترويجا للمخدرات بهدف "الضحك على الذقون"، فصدقي صبحي ليس مخيفا، لكي يتخلص منه السيسي. وهو تسطيح في التعامل مع السياسة، ومن المهزومين الذين يرون أن السيسي متمكن، ولا يخيفه أحد!

ولا شك أن هؤلاء تحولوا إلى حالة مرضية، جعلت منهم "كلاب سكك"، تقطع الطريق أمام كل من له علم من الكتاب؛ كتاب الحكم بإطلاق، وكتاب حكم العسكر بالتحديد، فلكي يفهم المرء إدارة السيسي للحكم، لا بد من العودة إلى حكم العسكر في مصر منذ النشأة والتكوين في سنة 1952، ولا بد - أيضا- من دراية كاملة بتفاصيل الأمور في إدارة السلطة في عهد مبارك، وهذا من شأنه أن يقلص من الأهمية المغتصبة لمواليد سنة 2013، ومن دخلوا ساحة السياسة بعد الانقلاب، أو مواليد 2011، الذين تفتق وعيهم السياسي مع الثورة، فظنوا أن قبل هذا كان العدم!

لا بأس، فدعنا الآن من غلمان المرحلة، ومن أرهقتهم المحنة حتى الشعور المرضي بالهزيمة، فهم يطربهم أن يستقر في وجدان الناس أن فشلهم جاء لأنهم يواجهون "الفك المفترس"، وأن هزيمتهم بالتالي "قدر مقدور"، وقد يحزنهم أن أقول إن السيسي ليس في أقوى حالاته، لكن قوته يستمدها من أن المعارضة، بكل مكوناته، أضعف منه!

ومع ضعف المعارضة، فإن طريق السيسي إلى تعديل الدستور ليس معبدا، فقد لا يستمر في موقعه الرئاسي، وهو ما يحتاط له؛ لأن تعديل الدستور يلزمه موافقة أمريكية، قد لا تصدر، لا سيما مع وجود النص المانع لتعديل الدستور في ما يختص بانتخابات الرئاسة!

القوم فكروا في الإبقاء على نص الفترتين، مع تمديد الفترة الحالية إلى ست سنوات بدلا من أربع سنين، وهناك مقترح بأن الأمر لا يلزمه سوى تعديل في القانون بما ينص على هذا، لكن تحديد الفترة الرئاسية بأربع سنوات منصوص عليه في الدستور أيضا، وبالتالي لا بد من تعديل الدستور، والتعديل يلزمه موافقة أمريكية، ولا يتم إلا بالاستفتاء، وقد تكون فكرة زيادة الدورة لست سنوات أهون عند "الزبون الأمريكي" من العودة إلى الأجواء البغيضة بالرئاسة مدى الحياة!

دعك ممن ينطلقون من الفراغ ويهبطون إليه، ومن هم في حالة استسلام تام، بأن ما تريده إسرائيل سيكون. فليست السياسة الأمريكية متماهية دائما مع السياسة الإسرائيلية، فهناك خلافات في كثير من الأحوال. وللعلم، فإن إسرائيل كانت مع بقاء مبارك، ولو كان الأمر كما يروج له "أهل الهزيمة"، لكان محمد دحلان الآن هو الرئيس الفلسطيني، ولكان محمد بن زايد هو الآن ولي الأمر في غزة. وهذا هو جوهر الدور الذي سعت إليه القاهرة، لتنفيذ رغبة إسرائيلية بذلك، قبل أن تتدخل الإدارة الأمريكية، فتفسد الأمر الذي ربما وافقت عليه حماس، ولم يكن هناك ما يعطله!

لا يترك السيسي نفسه ريشة في مهب الريح، أو كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لذا فانه يضع خيارا آخر، باستدعاء تجربة بوتين، وتجربته هو شخصيا عندما كان الحاكم الفعلي لمدة سنة بعد الانقلاب العسكري، وإلى إجراء الانتخابات الرئاسية في سنة 2014!

كنت قد كتبت أنه قد يعود وزيرا للدفاع، وتأكدت من هذا عندما قرأت لـ"ياسر رزق" تهديده بأن السيسي إذا لم يبق في الرئاسة، فلن يغادر لكتابة مذكراته أو مشاهدة التلفزيون. وقد علمت بعد ذلك أن الاتجاه لن يكون بتوليه منصب وزير الدفاع، ولكن بتوليه موقع رئيس الحكومة، وقد يجمع ذلك وبين هذه الوزارة في وقت لاحق. فالتفكير الآن منصب في أن يجمع قبل الانتخابات الرئاسية بين منصبه ومنصب رئيس الوزراء، وهو إجراء له سوابق، فعبد الناصر جمع بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة لفترة، وجمع بين منصب رئيس الوزراء ووزير الداخلية قبل ذلك!

السيسي هو من سيختار خليفته، وفق قواعده في الاختيار، ثم يعين نفسه رئيسا للحكومة قبل الانتخابات الرئاسية، بيده لا بيد عمرو، لا سيما وأن الدستور يقر بقاءه في الحكم لشهرين بعد انتخاب الرئيس الجديد، وهو ما يمكنه خلالها أن يرتب أوراقه جيدا.

ولأول مرة يكتشف أن الدستور، الذي ضاق به ذرعا، كأنه وضُع ليكون في خدمته في المرحلة المقبلة، وهو الذي قال إنه كُتب بنوايا حسنة!

في البداية، كانت الدوافع لتعديل الدستور بهدف الانتقاص من صلاحيات رئيس الحكومة، لصالح رئيس الجمهورية، فقد قلص هذا الدستور من صلاحيات الثاني لصالح الأول؛ لأنه وُضع في الأساس قبل أن يستقر رأيه في النهاية على الترشح. دعك ممن يطربهم أن السيسي كان يخطط للرئاسة مبكرا ومنذ أن كان "في اللفة"، حتى يتأكد لديهم أنهم لم يغلبوا من غفلة أو من "خيبة"، ولكن لأن أمر الانقلاب كان في لوح العسكر المحفوظ!

أعطى الدستور لرئيس الجمهورية الحق في اختيار رئيس الجمهورية وتكليفه بتشكيل الحكومة، ثم يأتي دور البرلمان، الذي لا بد أن يوافق على برنامج الحكومة، وإلا فإن الرئيس عليه أن يختار رئيسا للحكومة من الحزب الحاصل على أكثرية مقاعد مجلس النواب... إلخ، بحسب المادة (146) من الدستور!

وفق التشكيلة الحالية للبرلمان، فإن الإجراء الخاص باعتماد رئيس الجمهورية هو روتيني بحت!

وانتخابات البرلمان ستكون في 2020، ولهذا يفترس عبد الفتاح السيسي الأحزاب القائمة، مخافة أن يفقد السيطرة وتخوض الانتخابات في مواجهة قوائمه ومرشحيه، فلا يستطع أن يأتي ببرلمان مثل البرلمان، وقد يعجل بالجمع بين الأختين: رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، ليحصل على الاعتماد في ظل هذا البرلمان، اتقاء لشر أي خطوة غير محسوبة!

ليس في الدستور ما يلزم بتشكيل الحكومة بعد انتخابات البرلمان، وليس فيه ما يلزم باختيار رئيسا للحكومة بعد الانتخابات الرئاسية، وقد توجد نصوص قانونية تحبذ ذلك، والمعنى أنه ليس هناك ما يُلزم بإعادة اختياره في عهد الرئيس الجديد، وإن كان لن يجد صعوبة بحسابات اللحظة الراهنة!

والأهم أنه لا توجد سلطة مطلقة لرئيس الجمهورية في عزل رئيس الحكومة، فهذا إجراء لا يكتمل إلا بموافقة البرلمان بحسب المادة (147) من الدستور!

وإلى الآن، تبدو عقدة الأمر بيد الشعب، فهذا الموات الثوري قد يغري بتعديل الدستور بموافقة أمريكية، سواء بأن يكون التعديل لأكثر من ولايتين أو أن تمتد الدورة لتكون ست سنوات!

والحضور الثوري قد يفشل الخيار الأخير أمام السيسي، بالتوافق على مرشح واحد سواء من الجولة الأولى أو في جولة الإعادة!

وفي أضعف الايمان، يملك الحضور الثوري في حده الأدنى أن يقبل الرئيس الفائز بأن يكون "خيال مأتة"، وقد يضحى به وبموافقة البرلمان إرضاء للشعب وتقربا منه!

بيد أن المعارضة الإسلامية إلى الآن في انتظار سادات آخر يفرج عن المعتقلين، ويسمح بمساحة للحركة!

أما المعارضة المدنية، فهي في انتظار مبارك آخر يمكنها من فتات الموائد، ومن حسنات السلطة التي تذهب السيئات!

لكن من يدري، فقد يأتي الله بخلق جديد.