كتاب عربي 21

معركة الانتخاب بالاستقطاب

1300x600
لا جديد تحت شمس التونسيين، رغم أمطار الخريف التي سبقت موعدها. عسرت عليهم معارك التنمية والبناء، فعادوا إلى المعركة الوحيدة التي يتقنون الخوض فيها.. معارك الهوية، وعيونهم على انتخابات 2019. كنا نمسك بخناق الفساد في وزارة الصحة، وندفع الوزير إلى علاجه أو الانسحاب من المعركة ليحل غيره ممن يقدر على لوبيات الدواء التي تعبث بصحة الناس. وفجأة، وجدنا أنفسنا نعود إلى حق الأسرة التونسية في ختان أولادها. ربما يكون وزير الصحة قد تنفس الصعداء، إذ خف عليه ضغط السوشيال ميديا. لكن الهدية جاءته من غير حزبه بل من الشق المقابل الذي تموله لوبيات الفساد نفسها، والتي تنتظر موعد 13 من شهر آب/ أغسطس لتطلق الهجوم الأخير أو هجوم الحسم أو معركة انطلاق الاستقطاب الهوياتي الذي يضمن لها لحمة تيار الحداثة في مواجهة التيار الديني، لنجد أنفسنا من جديد في أجواء انتخابات 2011، كأن لم نتحرك إلى الأمام خطوة واحدة.

13 آب/ أغسطس موعد هوياتي

هذا اليوم هو ذكرى الاحتفال بإصدار مجلة الأحوال الشخصية التونسية، والذي حوله بورقيبة إلى يوم وطني للمرأة، وكان يذكر فيه كل مرة بأنه محرر المرأة التونسية من جهل القرون الإسلامية الغاشمة. لكنه لم يصل في فرحه بإنجازه إلى تحويل اليوم إلى عطلة رسمية. في إطار مزايدة ابن علي على بورقيبة بتحرير المرأة، حوّل ابن علي الذكرى إلى عطلة رسمية، وكان يروج لنفس الخطاب مزايدا على بورقيبة نفسه في مجال تحرير المرأة.

كان اليسار التونسي وتيار الحداثة الذي كان يصنف نفسه معارضا لابن علي، ويستنكف أن يكون بورقيبيا يحتفل باليوم العالمي للمرأة في موعده العالمي (8 آذار/ مارس)، لكن بعد الثورة صار للمرأة احتفالان يجتمع فيهما البورقيبيون وتيار الحداثة اليساري في غالبه، وكان الخطاب يدور حول نقطة واحدة: إن تخلف المجتمع التونسي ناتج عن تخلف أوضاع المرأة؛ الناتج بدوره عن نمط التفكير المتخلف الذي حكم المجتمع طيلة وجود النواهي الدينية الإسلامية التي هي ميراث عربي غير أفريقي وغير إنساني، فالميراث الأفريقي للمرأة التونسية هي الكاهنة البربرية وعليسة الفينيقية قبلها، ولا علاقة بين المرأة التونسية ونساء الإسلام، وهي النماذج التي يعلي من شأنها الإسلاميون، والذين هربوا إلى الأمام، فتبنوا أروى القيروانية زوجة الخليفة العباسي (صاحبة الصداق القيرواني) كي لا يتهموا بالغربة التاريخية وهم يتحدثون عن أسماء ذات النطاقين.

في معركة الرموز هذه لم ينتبه أحد من الشقين إلى شقاء عاملات الزراعة اللاتي يتحولن من بؤس إلى بؤس أشد كل يوم.. في انتخابات 2019 سنتحدث عن الكاهنة وعن أروى، وننسى عاملات الزارعة والمصانع وخريجات الجامعة اللاتي يشتغلن في مراكز النداء والتسويق الالكتروني لسلع لا يعرفنها ولعملاء لم يلتقنهم أبدا.. إنه يوم استعادة خطاب الاستقطاب في أفق الانتخاب.

تقرير بشرى والتوليد القيصري للحداثة

قيل الكثير، وقد ساهمنا في بعض ما قيل حول التعسف النخبوي على توليد الحداثة بمفهومها اليعقوبي (الفرنسي) في تونس. وكان يلازمنا الشعور بأنه لا يسمع لنا بضرورة ترك المجتمع يتقدم نحو حداثته الخاصة بطرقه الخاصة، إذ لا يمكن كما (علمنا علم الاجتماع) تغيير المجتمع بأمر قانوني. وكنا نضرب المثل دوما بأمر بسيط وواضح، ويمكن أن يكون درسا هادئا لمن يريد أن يتقدم فعلا بالمجتمع نحو حداثته، وهو مجال تعليم المرأة.

لقد كان أمر تعليم المرأة من المحرمات عند فئات كثيرة، وكان المنع يستند فعلا إلى فهم قاصر للدين. فالذين كانوا يحرمون بناتهم من التعليم كان يختلقون فتاوى ترهيبية أن تعليم المرأة يفسدها أخلاقيا، وكانت فتواهم غير المسنودة بنص (وأنى لهم أن يجدوه؟). تقدم ذريعة جيّدة وفعّالة للقائلين بالتحديث عبر التعليم، ولكن لا الدافعون إلى التعليم ولا المانعون منه كان لهم التأثير الأكبر. لقد اكتشف الناس بهدوء جدوى تعليم بناتهم، فدفعوهن إلى المدرسة حتى صار المنع هو علامة تخلف، وقد أخذ هذا الأمر أكثر من نصف قرن ليصير واقعا لا يمكن الارتداد عليه.

هذا النسق هو النسق الوحيد الممكن والفعال لتطور المجتمع وتحديثه ذاتيا. أما الأمر القانوني والتعسف السياسي، فلم ينتج إلا ردود فعل منغلقة على نفسها. لذلك كانت مشاركتنا في النقاش هي الخروج من الاستقطاب المفضي إلى معارك سياسيةـ واعتماد مسار التطور الطبيعي للأفكار وتغلغلها البطيء في أذهان الناس حتى تتحول إلى نمط تفكير وحياة بلا تعسف السلطة والنخب العالمة. ما يجري الآن تعسف لغايات سياسية على نسق تطور الأفكار والسلوكيات.

لا أحد ضد المساواة

لم ينتظر الناس (الأسرة التونسية) تقرير بشرى ليقرروا أن يشترك الزوجان (الأبوان) في الإنفاق على الأسرة. لقد ذهبوا وحدهم إلى المساواة في الإنفاق، وأسقطوا دون تحريض نخبوي مسألة القوامة الواجبة على الرجل. كان الشاب التونسي حتى عهد قريب يتخير زوجته من غير العاملات، وكان اللفظ المستعمل هو "زوجة دياري" أي زوجة ماكثة بالبيت لتربية الأولاد كمهمة مقدسة. الآن صار أحد أسباب عنوسة المرأة هي البطالة، فالعاطلة عن العمل لا تجد زوجا، والأمر مماثل في صفوف الناس، فالعاطل لا يرغب للزواج. لم يرد هذا في نص ديني ولا في نص حداثي، بل ذهب الناس بحثا عن سبل عيش ممكنة دون توجيه نخبوي، ولن يكون تقرير بشرى إلا من قبيل إعادة اكتشاف العجلة في هذا الجانب. فالمساواة أمر واقع قبل أن تنتبه اللجنة ورئيستها التي تعيش بعيدا عن هموم الناس اليومية. إذن، لماذا تثار المسألة؟ هناك سببان أو غايتان:

استفزاز الإسلاميين. فكثير منهم يعيش المساواة في بيته، ولم يعد قوّاما عليه بالمعني الديني القديم للقوامة. لكن فكره لا يزال ماكثا في منطقة النص، ولسانه يدافع عن نص قام هو نفسه بتجاوزه. لذلك من المتوقع أن لا يرى من كلمة المساواة إلا الجانب الآخر الذي يشكل السبب الثاني لإثارة المسألة، وهو المساواة في الإرث، أي وضع نصوص قرآنية في تعارض مع النصوص الوضعية التي توجه المجتمع الآن. وهنا يتم الدفع إلى نقطة حرجة ذات مردود سياسي، وهو المطلوب من كل هذه الإثارة الدورية (التي تعود مع كل موسم انتخابي).

مطلوب من الإسلامي الآن التخلي نهائيا عن النص الديني، كشرط أساسي ليقبل في صف الحداثة. (الأمر مماثل لعملية غُسل أو تعميد مشابهة لطقوس العبور من دين إلى آخر، أو من مرحلة عمرية إلى أخرى، كما وصفها مرسيا إلياد في كتابه طقوس العبور). هذا الطقس يعني عند الإسلامي التخلي عن قاعدته الجماهيرية المحافظة التي رأت فيه مدافعا عن عقيدتها، وإن كانت هي نفسها ليست مؤمنة متعبدة (لقد كان من طرائف انتخابات 2011 أن كثيرا من مستهلكي الخمور كانوا يهتفون مؤيدين لحزب النهضة وهم يدلون له بأصواتهم). يرتبك الإسلامي هنا، وهذا هو المطلوب بالضبط.. أن يدخل منطقة لا تؤدي به إلى الحداثة مع الحداثيين (فهم طائفة مغلقة)، وأن لا يمكث في منطقة الإسلاميين ذات القاعدة الجماهيرية، أي أن يكون حزب البزرميط.

الساحة ليس فيها حزب إسلامي واحد

لذلك ظهر من يصلي صلاة استعراضية في الشارع لاستعادة تلك الكتلة الخائفة من تقرير بشرى أو الناقمة عليه. توجد غنيمة انتخابية كبيرة هنا.. كل الجمهور المحافظ (وإن لم يكن متدينا بالمرة) يبحث عن مدافع مجهول عن دينه (الذي لا يعرفه ولا يطبقه إلا قليلا). عمليا، بدأ الحزب المقصود بالتقرير يخسر، وسيرى قاعدته (من غير المتحزبين) تتفكك من حوله. فهو لم يكن في مستوى الدفاع عن القرآن (هكذا كل القرآن)، وعمليا بدأ التقرير يؤدي مهمته الانتخابية حتى قبل تحوله إلى مشاريع قوانين. وعمليا، بدأ التونسيون يخسرون لأن برامج الانتخاب ستظل تدور هنا. فلا حديث عن مستقبلهم الاقتصادي، ولا عن تطوير قدراته ودخوله فعلا في نسق تنمية جديد.

التقرير، ومنذ تكون اللجنة بأمر الرئيس ومعه آلة دعائية شرسة تشتغل لصالحه، سيجعل الناس تدخل الانتخابات على قاعدة حداثي ضد "خوانجي"، وليس ليبراليا ضد اشتراكي. لقد حقق التقرير غايته.. لن يسأل أحد الحكومات عن إنجازاتها التنموية، ولذلك لن يكون سعادة السفير الفرنسي إلا فرحا مسرورا بما ينجز، فتونس ستظل في منطقة نفوذه الاقتصادي يقسط عليها الهواء. لقد كان حريصا على أن تشرّع اللجنة للمثلية الجنسية، لنظل نحن نختصم حول مسألة عبقرية: هل أن امتناع الذكر عن إتيان ذكر مثله يخرجه من الحداثة؟