ملفات وتقارير

آراء بتصدع بنيان "الوهابية" بعقر دارها وتراجع نفوذها.. لماذا؟

روزنامة الترفيه هيئة الترفيه السعودية - تويتر حساب هيئة الترفيه

ذهبت آراء إلى تراجع حضور "الدعوة الوهابية" في العهد السعودي الجديد، وغياب نفوذها عن كثير من مظاهر الحياة العامة في السعودية، والمتمثل بسكوت غالب علمائها ودعاتها عن استنكار التحولات والتغييرات الجديدة التي عصفت بالمجتمع السعودي المحافظ، التي كانت محل رفض شديد في العقود السابقة.

 

ويرجع باحثون تلك التحولات والتغييرات الجذرية إلى "استجابة نظام الحكم السعودي في عهد ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان للطلبات الأمريكية المتكررة بضرورة محاربة فكر الغلو الديني، وتجفيف منابع التشدد المنتج لثقافة الكراهية على أسس دينية". 


فمن جهته، قال الأكاديمي الشرعي السعودي، المقيم حاليا في أوروبا، سعيد بن ناصر الغامدي، إن "الدعوة الوهابية من حيث النفوذ، وإسناد الدولة لها قد تراجعت، وسكت علماؤها انصياعا للأمر الواقع، أو جريا على عادة فقهاء التكيف الماضين منهم واللاحقين".


وأضاف: "لا سيما وأن جذور التكيف مع السلطة الحاكمة موجود في جذر الدعوة الوهابية، وهو ما أعطاها القوة من قبل، لكن من المتوقع أن يكون هو سبب ضعفها وهزالها الآن ولاحقا، ما لم يحصل تغيير دراماتيكي في السلطة الحاكمة". 


وفي تحليله لأسباب تراجع نفوذ الوهابية في عقر دارها، قال الغامدي لـ"عربي21": "الدعوة الوهابية كأي دعوة أخرى تمر بمراحل متعددة: مرحلة النشأة والتأسيس ثم القوة، ثم الضعف والشيخوخة، وقد تحظى بعد الدعوات بمجددين، يبعثون فيها الحياة فتستمر لمدة أطول، وبعضها تتعرض لأزمات تضعفها أو تودي بها". 

 

اقرأ أيضا: الوهابية.. ظاهرة دينية مصنوعة أم امتداد لنسق الحنابلة؟

 

وتابع: "وإذا أخذنا كمثال دعوة ابن تومرت التي قامت عليها دولة الموحدين، وجدنا أنها من حيث تعلقها بالسلطة الحاكمة تشبه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، التي حينما تخلى عنها أحد أمراء الموحدين اندثرت وقضت نحبها". 


وأرجع الغامدي عوامل تصدع الوهابية في عقر دارها إلى "تخلي الدولة السعودية التي قامت على شعاراتها عنها، متمنية زوالها، لأنها أصبحت في نظرهم عبئا لا يحتمل"، مستدركا أن "السياسي قد يحتاج لها بصيغتها العلمائية أو الجامية (نسبة للشيخ الأثيوبي محمد أمان الجامي) أو المدخلية (نسبة للشيخ السعودي ربيع المدخلي) فيعيد إنتاجها ضمن خط إنتاج متلون باللون الليبرالي أو الصهيوني أو غير ذلك"، وفق عبارته.


وأوضح الأكاديمي السعودي المعروف بتغريداته المناهضة للتوجهات السعودية الجديدة أن "الوهابية تمكنت من إنجازات دينية مهمة، أثرت في مجملها على دعوات أخرى جاءت بعدها كالإخوان المسلمين، وأهل الحديث في الهند، وجمعية العلماء في الجزائر، إضافة لتأثيرها على شخصيات علمية سلفية في كثير من الدول". 


وقال: "من المهم في هذا السياق التذكير بأن الدعوات العقدية والفكرية ليس من السهل اقتلاعها، خاصة إذا انتشرت في آفاق ليس للسياسي عليها سلطة، تماما كحال الوهابية في تأثيرها على تلك الجماعات والشخصيات".

 

وأشاد بـ"دور الوهابية في محاربة الخرافات وشطحات المتصوفة (المخدرة)، ومساهمتها في كسر الجمود الفقهي وإحياء فقه الدليل، التي كانت من الغرائب المستنكرة إبان نشأة دعوة ابن عبد الوهاب".


من جهته، رأى الكاتب والباحث الفلسطيني في شؤون الحركات الإسلامية، أحمد أبو فرحة، أن "فهم طبيعة العلاقة بين الدعوة الوهابية وآل سعود منذ البدايات تسعف كثيرا في فهم ما يجري، وما آلت إليه الأمور هناك". 


وأضاف: "من المعروف أن الوهابية دعوة دينية إصلاحية تحالفت مع آل سعود، الشق السياسي والعسكري المناوئ للدولة العثمانية، فالتقاء المصالح بين الوهابية (الدين والفكر)، وآل سعود (السياسة والعسكر) قاد إلى إنشاء الدولة السعودية، وكانت العلاقة بينهما متكاملة، واستمرت العلاقة بينهما على هذا المنوال، فدور المشايخ والعلماء دور تكميلي للنظام الحاكم السعودي". 

 

اقرأ أيضا: نيويورك تايمز: هل تتخلى السعودية عن الوهابية؟

 

ووصف أبو فرحة لـ"عربي21" ما يحدث الآن للدعوة الوهابية في تجلياتها الرسمية، بأنه حالة من التكيف مع رغبة النظام الحاكم الحالي (عهد ابن سلمان)، وهي بذلك تحافظ على أهم مبادئها التي لا تتغير، ألا وهو التبرير للحاكم والالتقاء معه في وحدة المصير".


واعتبر الباحث الفلسطيني الدعوة الوهابية التي تقوم في شقها الرسمي السلفي على ترسيخ حكم نظام معين، "قاصرة عن أن تكون حركة إصلاحية، بالتالي ستستمر في سقوطها من سقوط إلى آخر".


وأشار إلى أن "المشايخ والدعاة الذين يتبنون خطا إصلاحيا (يمزج بين الوهابية والإخوان) تم سجنهم جميعا، ليظل التيار السائد هو الجامي أو المدخلي، وهو ممثل السلفية التقليدية في السعودية المدعومة من النظام، المتماهي تماما مع سياساته وتوجهاته".  


ووفقا للأمين العام المساعد لتيار أهل السنة في لبنان، ربيع حداد فإن "سياسات وقرارات محمد بن سلمان قضت على الأعمال الدعوية بشتى أنواعها، وتهدد بتقويض عقود من أعمال الدعوة والمؤسسات الخيرية والإغاثية، وأدخلت على المجتمع السعودي أوراما سرطانية دخيلة على عاداته وتقاليده ومعتقداته تحت اسم الانفتاح والترفيه". 


وردا على سؤال "عربي21": "هل يصدق على الصرح الذي بناه علماء الوهابية أنه صرح من خيال سرعان ما تهاوي هكذا بقرار سياسي؟"، قال ربيع: "من المبكر الحكم على تداعيات القرار السياسي المتمثل بالتنصل من كل ما هو ديني".


وختم حديثه بالإشارة إلى أن "مثل تلك التحولات الجذرية التي تفرض على المجتمعات بالترغيب تارة، والترهيب تارة أخرى، تجعل المواجهة غير متكافئة، ما يجعل أصحاب تلك الدعوات يبحثون عن أساليب غير ظاهرة للعيان، كما رأينا أمثلة كثيرة في بلدان حورب فيها الإسلام بالحديد والنار لفترات طويلة، ثم ما لبث أن ظهر بقوة ونشاط، وما الاتحاد السوفيتي وتركيا عنا ببعيدين".