كتاب عربي 21

غريفيث يحيي مخططاً اماراتيا قديماً للإطاحة بالشرعية في اليمن

1300x600

ليس لدي شك مطلقاً في خيار الحسم العسكري الوشيك الذي تنتظره مدينة الحديدة وميناؤها؛ لأنه لا خيار أمام التحالف ومعه الحكومة اليمنية سوى المضي قدماً في إتمام المعركة، لكن المخاوف تبقى مشروعة بشأن توجهات صريحة من جانب الإمارات لاستثمار معركة الحديدة في تمرير مع عجزت عنه نهاية 2016؛ حينما وضعت الرئيس هادي وحكومته هدفاً لتسوية سياسية مخادعة رُفضت بقوة آنذاك من جانب الرئيس.

الجميع في مأزق تقريباً في الحديدة التحالف والحكومة والحوثيين كذلك. ذلك أن أي تسوية تخص المدينة وميناءها، وتضمن تواجداً مستداماً لمليشيا الحوثي في هذه المدينة الساحلية الكبيرة على البحر الأحمر، سيعني بالضرورة هزيمة الخيار العسكري الذي سيحدد المصير غير المشرف للتحالف ومهمته العسكرية في اليمن؛ لأن بقاء الحديدة بيد الحوثيين يعني بقاء التهديدات الأمنية التي تكرس مخاوف السعودية من معادلة الرعب التي كرسها الحوثيون خلال حرب السنوات الماضية في جنوب المملكة، وعبر الضربات الصاروخية للعاصمة الرياض وغيرها من مدن العمق السعودي، إلى جانب تهديدات بضربات صاروخية مماثلة بضرب أبو ظبي ودبي؛ يستغرب المراقبون سبب عدم وقوعها حتى الآن، ويتساءلون عما إذا كان عدم وقوعها يندرج ضمن التفاهم السري القائم بين الإمارات وإيران.

أي تسوية تخص المدينة وميناءها، وتضمن تواجداً مستداماً لمليشيا الحوثي في هذه المدينة الساحلية الكبيرة على البحر الأحمر، سيعني بالضرورة هزيمة الخيار العسكري الذي سيحدد المصير غير المشرف للتحالف ومهمته

إن المعركة في الحديدة تأسيساً على هذا المنطق تتكرس كأولوية تخص التحالف والسعودية على وجه الخصوص أكثر من أي طرف آخر، بما في ذلك الحكومة التي لا أشك مطلقاً في حرصها على ضرورة استعادة الحديدة وصنعاء، ودحر المليشيا من كل المدن والبلدات اليمنية التي تسيطر عليها.

لم تثمر تحركات المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث حتى الآن أية نتيجة من شأنها أن تقرر مصيراً واضحاً لمدينة الحديدة ومينائها، حرباً أو سلماً، لكن المؤشرات تؤكد أن المعركة العسكرية وشيكة خصوصاً وأن المهلة الممنوحة للمبعوث الأممي انتهت أمس السبت بحسب مصادر مطلعة، وبات القرار العسكري باقتحام الحديدة مسألة وقت لا أكثر.

التطور الأخطر الذي تنطوي عليه تحركات المبعوث الأممي هو هذه المحاولة المقصودة للربط بين مصير ميناء الحديدة والحل السياسي الشامل في اليمن، وهو ما يحاول المبعوث الأممي جر مجلس الأمن إلى مناقشته وتثبيته كأجندة راسخة في سياق مساعي المجتمع الدولي لإنهاء الحرب في اليمن.

فخ تنصبه الإمارات للحكومة الشرعية؛ التي عادت إلى عدن وباشرت التصرف كما لو كانت الأمور قد عادت إلى طبيعتها فعلا في ما يخص العلاقة مع أبو ظبي والتحالف

أبدت الحكومة اليمنية اعتراضها المبكر على مبادرة المبعوث الأممي؛ التي يبدو أنها لا تزال تدور حول الأفكار ذاتها التي تضمنتها مبادرة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري، لذا سارع وزير الخارجية اليمني خالد اليمني إلى التحذير من أية محاولة لإعادة إحياء مبادرة كيري.

ثمة فخ تنصبه الإمارات للحكومة الشرعية؛ التي عادت إلى عدن وباشرت التصرف كما لو كانت الأمور قد عادت إلى طبيعتها فعلا في ما يخص العلاقة مع أبو ظبي والتحالف.

يجب ألا ننسى أن مبادرة كيري كانت قد أُعلنت من أبو ظبي في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2016، قبل أن يغادر الوزير كيري المنطقة ومنصبه معاً، لذا لا تظهر أبو ظبي حساسية تجاه المحتوى الكامل لمبادرة كيري، لكن ليس هناك يقين بشأن الموقف السعودي، خصوصاً وأن تصريحات وزير الخارجية اليمني نشرت في جريدة الشرق الأوسط السعودية، مما يؤشر إلى أن وجهة النظر هذه تتشاركها الرياض أيضاً.

ما نراه اليوم أن الإمارات والمبعوث الأممي يستثمران بذكاء مخاوف المجتمع الدولي من تداعيات معركة الحديدة، في محاولة لتمرير المبادرة التي سبق للرئيس هادي وأن رفضها؛ عندما أدرك أنها تهدف إلى الإطاحة به وبحكومته، وتثبيت المكاسب السياسية والعسكرية للانقلابيين الذين ينحصرون اليوم في مليشيا الحوثي ومشروعها السياسي الخطير جداً على الدولة اليمنية.

 

الإمارات والمبعوث الأممي يستثمران بذكاء مخاوف المجتمع الدولي من تداعيات معركة الحديدة، في محاولة لتمرير المبادرة التي سبق للرئيس هادي وأن رفضها؛ عندما أدرك أنها تهدف إلى الإطاحة به وبحكومته


تتجلى شيئاً فشيئاً الدوافعُ التي تقف خلف تَصَدُّرِ الامارات لمشهد الحرب في الساحل الغربي لليمن، فهي تريد أن تضمن نفوذا مستداماً في هذه المنطقة مقابل صفقة تتبادلها مع الحوثيين، عبر مدينة الحديدة ومينائها تضمن من خلالها انسحاب الحوثيين من المدينة والميناء، وبقاءهم كقوة عسكرية وسياسية في بقية المحافظة والمحافظات الأخرى الخاضعة للحوثيين.

سيتعين على الحكومة الشرعية أن تتحمل الثمن السياسي الخطير للتساهل مع مخطط إعادة إحياء مبادرة كيري، فالهدف هو نفسه: الإطاحة بالشرعية وباستحقاق التغيير، وفتح المجال واسعاً أمام مخطط تفكيك اليمن والإطاحة بمشروعه الوطني، وهو خطر لن تسلم منه الرياض أيضاً التي ستبقى رهن المخاطر المحدقة التي يمثلها الوجود العسكري والسياسي لمليشيا الحوثي في اليمن.