بورتريه

كرة القدم.. بسيطة جدا ومعقدة جدا

كرة القدم - علاء اللقطة
بدأت كنشاط همجي عنيف يمارسها العامة في الطرقات، وتحولت إلى لعبة رياضية محكمة القوانين وممتعة وساحرة، وإلى ما يشبه المعتقد والشغف، أو الدين الثاني للشرق الأوسط، بحسب مؤلف كتاب "العالم المضطرب لكرة القدم في الشرق الأوسط" جيمس دورسي الذي يقدم كرة القدم هنا كأداة ثقافية معقدة، يمكن أن تستخدم كأداة للقمع، ويمكنها أن تكون وسيلة لمعارضة السلطة أيضا.

ليست مجرد كرة مستديرة، وفائز وخاسر، وأرضية عشبية وخشبات ثلاث. فهي استثمار مالي مربح إلى حد التخمة لمالكي الأندية واللاعبين وشركات تصنيع الأدوات الرياضية وغيرها. فأكبر خمسة دوريات في أوروبا (ألمانيا، انجلترا، إسبانيا، فرنسا، إيطاليا) حققت الموسم الماضي إيرادات وصلت إلى 12.6 مليار جنيه استرليني (16.91 مليار دولار)، فيما تبلغ قيمة سوق كرة القدم الأوروبية لوحدها 21.9 مليار جنيه استرليني.

صناعة قامت على الهوس والإدمان على مشاهدة المباريات تصل حدودها العليا، ومرحلة الجنون المطبق مع انطلاق بطولة كأس العالم التي تحقق في فترة زمنية قصيرة جدا أرباحا خيالية. فقد حقق مونديال 2014 في البرازيل دخلا إجماليا قدره 4.82 مليارات دولار شملت حقوق البث التلفزيوني، وحقوق التسويق، والتذاكر، ورسوم الضيافة، والترخيص.

ولا تختلف الأرقام بالنسبة إلى الميزانية المتوقعة في روسيا 2018، فرئيس "الفيفا" جاني إنفانتينو يؤكد أنه من المتوقع أن تتجاوز الإيرادات خلال دورة الأربع سنوات 2015-2018 "التوقعات" والتي تصل إلى 5.65 مليارات، وذلك بفضل الزيادة في عقود البث التلفزيوني والتسويق.

لعبة ضاربة في التاريخ وفي المستقبل أيضا، تعود أصولها إلى الحضارات القديمة قبل 2500 عام قبل الميلاد التي مارست كرة القدم بأشكال أولية بدائية لهذه الرياضة التي تبدو عنيفة.

وعندما حلت العصور الوسطى حققت لعبة كرة القدم نقلة في تاريخ تطورها، حيث كان من عادة إسكافيي المدن كل عام أن يقدموا كرة جلدية هدية إلى تجار الأقمشة والذهب، كي يلعبوا بها قدر استطاعتهم قبل أن يشترك معهم جميع سكان البلدة أو المدينة.

حينها كان يقسم المشاركون في اللعبة عشوائيا إلى فريقين، بحيث يضم كل فريق المئات من اللاعبين، وكان الكل يلاحق الكرة ويتقاذفونها عبر الأنهار والمستنقعات والمزارع ضمن قاعدة واحدة وهي أن يدخلوا الكرة في مرمى الفريق المنافس بأية طريقة ودون وقت محدد، وكثيرا ما تحولت المباراة في بعض فتراتها إلى مصارعة جماعية.

واستمر الأمر على هذا النحو إلى بدايات القرن التاسع عشر، حينما أصبح الشبان الإنجليز المتعلمين بالمدارس الخاصة يمارسون كرة القدم أيضا، ولم تعد اللعبة حكرا على الجماهير الغفيرة. وكان يعرف عن شباب المدارس الخاصة آنذاك أسلوبهم الخاص بهم، طابعه الاستقامة واللطف وقدرتهم على كبح جماح غضبهم، هؤلاء "الجنتلمان" هم من أدخلوا مفهوم الروح الرياضية والأسلوب إلى كرة القدم.

غير أن التأسيس الفعلي لكرة القدم لم يبدأ إلا في عام 1863 بإنجلترا، وذلك عندما اجتمع مندوبو الأندية التي كانت تحتضنها المدارس الخاصة الإنجليزية، وتشكل أول مجلس يعنى بكرة القدم حينئذ، والذي ضم ممثلين اثنين لكل من الاتحادات البريطانية الأربعة (إنجلترا، إسكتلندا، ويلز، وايرلندا) مهمتهم تأطير هذه الرياضة، فكان أبرز تطور حصل لكرة القدم هو فصلها عن كرة الريغبي والاعتماد على الساقين فقط للتحكم بالكرة، وهو الأمر الذي لم يكن هينا حينها.

بعدها أصبحت اللعبة تتخذ تدريجيا الملامح التي نراها اليوم، فبدأ اعتماد ركلات المرمى في عام 1869، والركنيات في عام 1872، وفي عام 1878 استخدم الحكام الصافرة لأول مرة.

أما ركلة الجزاء فلم تبصر النور حتى عام 1891. كما أصبح للملعب خطوط وحدود مرسومة ووقت محدد للمباراة. وأصبح العنف محظورا في اللعبة. فيما أضحت الرياضة تنتشر في كل القارات، وتجتذب نحوها مزيدا من الجماهير للاستمتاع بمشاهدة مباريات كرة القدم، ما دعا إلى تحضير مساحات تحيط بالملعب للمتفرجين.

وفي عام 1904، تأسس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) في باريس مع أعضائه السبعة الأساسيين: فرنسا، بلجيكا، الدنمارك، هولندا، إسبانيا، السويد، سويسرا، لينضم الاتحاد الإنجليزي للاتحاد عام 1913، قبل أن تلتحق باقي بلدان العالم بالاتحاد.

وابتداء من النصف الثاني للقرن العشرين، أصبحت رياضة كرة القدم تكتمل وتتطور، فوضعت القوانين التفصيلية المحكمة، وبرعت الفرق الرياضية في التفنن بلعب الكرة بمهارات عالية خلال مباريات كأس العالم، وتزايدت التغطيات الإعلامية لمجرياتها، ما جعل جماهير العالم تزداد عشقا وشغفا بهذه اللعبة. لتصبح اللعبة الأكثر شعبية وانتشارا في الكون  مع وجود 250 مليون لاعب في أكثر من مئتي دولة حول العالم.

خارج أسوار الملعب وبعيدا عن أصوات المشجعين والمدرجات، كانت كرة القدم تستثمر في ركن آخر، كان رجال الأعمال والسياسيين يحولونها إلى ميادين معارك للحقوق السياسية والجنسانية والعمالية، فضلا عن قضايا الهوية الوطنية والإيديولوجية والعرقية والإيرادات التي اتخمت أرصدة مالكي الأندية.

كان تأسيس معظم نوادي كرة القدم في العالم مع لمسة خفية ذات توجهات وميول سياسية أو أيديولوجية، سواء كانت مؤيدة للاستعمار أو مؤيدة للملكية أو الجمهورية أو قومية أو ممثلة لمنطقة جغرافية أو حتى طائفة وغير ذلك.

تجمع كرة القدم الشعوب حولها وتفرقهم أيضا. فهي تحولت من مجرد لعبة إلى انتصارات قومية لبلدان قد تكون مجهولة ومساحتها على الخريطة ضئيلة، على بلدان كبيرة بمساحتها وباقتصادها، وتتحكم في صنع القرار على صعيد العالم.

بدت كرة القدم فضاء مثاليا ليمارِس فيه السياسيون ألاعيبهم، ويفرضون أجنداتهم ويروجون شعاراتهم، رغم القوانين التي تمنع الرسائل السياسية أو الأيديولوجية من الظهور داخل الملاعب.

كرة القدم وضعت دولا صغيرة وضعيفة اقتصاديا وعسكريا على خارطة التاريخ والشهرة، فيما تبدو أقوى قوة اقتصادية وعسكرية وحتى جغرافية مثل الولايات المتحدة تحبو وتزحف مثل طفل في عامه الأول، وكذلك الأمر بالنسبة للصين والهند الأكبر في عدد السكان إلى جانب روسيا بالطبع.

الجنرالات في المستطيل الأخضر يشكلون مزاج الجماهير، ويتحكمون في انفعالات من يشاهدون اللعب أمام شاشات بيوتهم أو في المقاهي أو الساحات العامة.

ليست مجرد كرة تركل بالأرجل،إنها ثقافة العصر، ومركز قوة ونفوذ ورمز للهويات الوطنية والقومية، وحلم بالثراء والشهرة والجوائز.

سقطت، منذ أن عرفت كرة القدم، مئات الدول والأفكار والثورات والإيديولوجيات، وبقيت هي تتدحرج تجر خلفها القلوب والأعصاب والعيون القلقة.

لا تستطيع أن تفهم كرة القدم، فهي بسيطة جدا وشعبية لكنها أيضا معقدة مثل سر أبدي.