كتاب عربي 21

استفاقة حفتر وحرب درنة

1300x600

عقب استفاقة اللواء المتقاعد خليفة حفتر البالغ من العمر 74 عاما، والذي يسيطر على معظم شرق ليبيا، من غيبوبة مؤقتة أدخل على أثرها لمستشفى في باريس، عقب إصابته بجلطة في الدماغ بعد سلسلة من الانتكاسات الصحية بدأت في 5 نيسان/ أبريل 2018، سرعان ما حسم حفتر خياراته لخوض حرب درنة، حيث أعلنت قوات حفتر في السابع من أيار/ مايو 2018 بدء معركة السيطرة على درنة، وهي المدينة الوحيدة الخارجة عن سيطرة قواته في الشرق الليبي. فهل كانت تلك صحوة حفتر أم يقظة مشغليه الإقليميين والدوليين؟

يلخص حفتر الحالة الليبية على صعيد الدولة والمجتمع الليبي بامتياز، فهو يشير بوضوح إلى السمات والديناميكبات الداخلية والخارجية الفاعلة والمحركة في ليبيا ما بعد القذافي، والتي تؤشر إلى حالة تحول في إطار من الاستمرارية، وتنتشر دينامياتها وكأننا ندرك في عالم بالغ القدم أننا متأخرون أو لاحقون عليه، حسب بريس كوتورييه. إذ لم يعد في وسعنا زعم الجِدة، فنحن نأتي في مرحلة ما بَعد، ونكمل ما سبقنا، ولكن ما يلي ننزع عنه طابعه ولونه، ونطعن فيه. فـ"ما بعد" يخالف ما يقال أكثر مما يبني بناء عليه.

 

يلخص حفتر الحالة الليبية على صعيد الدولة والمجتمع الليبي بامتياز، فهو يشير بوضوح إلى السمات والديناميكبات الداخلية والخارجية الفاعلة والمحركة في ليبيا

وبحسب المُنصف ونّاش، فإن الأزمة التي عصفت بالمجتمع الليبي ما بين شهري شباط/ فبراير وتشرين الأول/ أكتوبر 2011، وعاشها هذا المجتمع بكل جوارحه، أدت الى "تفكيك توازن المجتمع وإلى تدمير البنيات الاجتماعية والقبليّة، وخاصة إلى استحضار تاريخ مسكون بالتوترات والخلافات القبليّة والجهويّة، وإلى إعادة إحياء جغرافيا الأحقاد والصراعات بين الفئات والجهات". لكن تلك التوترات والخلافات لا تعمل بمعزل عن دينامية الـ"مابعديات" المعولمة التي تحركها قوى دولية وإقليمية، وفي مقدمتها فرنسا ومصر والإمارات.

يلخص حفتر منظورات الثورة المضادة على ثورات الربيع العربي التي تقوم على إعادة بناء الدولة التسلطية الـ"ما بعد كولونيالية" بأجهزتها القمعية الأيديولوجية، من خلال مدخل "حرب الإرهاب"، وهو مصطلح بات يشير إلى كافة القوى المناهضة للدكتاتورية المحلية والإمبريالية الخارجية، والتي تتموضع في خيارات الديمقراطية كبديل ثالث للفاشية. ويعتبر الجيش ركيزة أساسية في بنية ما أطلق عليه الدولة الوطنية، كضامن للاستقرار المؤسس على الفساد الميسر لعمليات النهب للمستبدين ومشغليهم الإمبرياليين. ولذلك جاء حفتر وحلفاؤه بأطروحة "الجيش الوطني" كمؤسسة تعيد تشكيل هوية وطنية ليبية متخيلة. وقد جاءت عملية "كرامة ليبيا" في 16 أيار/ مايو 2014، وهي في حقيقتها انقلاب على ثورة 17 فبراير 2011، على أنها تندرج في إطار "الحرب على الإرهاب" وإعادة بناء الدولة وإنقاذها من مختطفيها من "الإرهابيين". فعملية "الكرامة" قامت على دعوى تطهير مدينة بنغازي من الجماعات الإرهابية والمتطرفة، ويصور حلفاء حفتر الجيش الوطني الليبي كقوة للاستقرار مصممة على اجتثاث المتطرفين الإسلاميين، ومن بينهم مناصرين لجماعة الإخوان المسلمين.

بعد أكثر من ثلاث سنوات من القصف والحصار والمعارك الطاحنة، أعلن حفتر سيطرة قواته على نحو ثلثي مدينة درنة، لكن قوات حماية درنة نفت ذلك. وفي طل اختلال ميزان القوى، فإن السيطرة على درنة مسألة وقت. وقد تمكن مقاتلو مدينة درنة طيلة السنوات الثلاث الأخيرة من الصمود في وجه قوات حفتر المدعومة مصريا وإماراتيا وفرنسيا، والهادفة إلى السيطرة على المدينة العصية، وهي مدينة جبلية تقع على ساحل البحر المتوسط، شمالي شرقي ليبيا، يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط، ومن الجنوب سلسلة من تلال الجبل الأخضر. ويشطر وادي درنة المدينة إلى شطرين، وهو أحد الأودية الكبيرة المعروفة في ليبيا.

أحد الأهداف الرئيسية لحرب درنة أنها تتمتع بسمعة "جهادية" عالمية، وهو مصطلح بات يكافئ "الإرهاب". فقد عرفت المدينة منذ حقبة أبو مصعب الزرقاوي في العراق 2003؛ بأنها خزان الجهاديين ومعقل "الاستشهاديين"، ولذلك فقد شهدت تأسيس أول معسكرات تنظيم "الدولة الإسلامية" وأول محكمة إسلامية، وبناء قوة تنفيذية شرطية. وقد توالت البيعات من جهاديي درنة لتنظيم "الدولة الإسلامية" منذ بداية تشرين الثاني/ أكتوبر 2014. وقد عمل فرع التنظيم على تثبيت سيطرته المكانية على درنة من خلال تأسيس روابط محلية مع السكان، وفق نهج الدولة في العراق وسوريا، كما عمل على استقطاب مقاتلي جماعة "أنصار الشريعة"، فضلا عن المقاتلين العرب والأجانب من الدول المجاورة، وخصوصا مصر وتونس، الأمر الذي أفضى إلى تأسيس "مجلس شورى شباب الإسلام" في 4 نيسان/ أبريل 2014، والذي بات قوة رئيسية في درنة، وسرعان ما تحول إلى بيعة تنظيم "الدولة الإسلامية"؛ الذي بادر بإرسال وفد يضم خبراء يعمل على بناء استراتيجية للصمود والتمدد. وفي 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، أعلن تنظيم "الدولة الإسلامية" السيطرة الكاملة على مدينة درنة، والتي تضم نحو 150 ألف ساكن، ليسيطر عليها لأشهر عدة.

 

أحد الأهداف الرئيسية لحرب درنة أنها تتمتع بسمعة "جهادية" عالمية، وهو مصطلح بات يكافئ "الإرهاب"


لم يتمكن التنظيم من الاحتفاظ بدرنة، فسرعان ما دخل في صراع مسلح مع السلفية الجهادية التاريخية في درنة، ممثلة ببعض أتباع أنصار الشريعة، و"كتيبة شهداء بوسليم"، وهي جماعات تدين بالولاء لتنظيم القاعدة. وقد أُعلن عن تأسيس "مجلس شورى مجاهدي درنة وضواحيها" في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2014، كإطار جامع للجهادية التي لا تدين بالولاء لتنظيم الدولة. وقد تأسس المجلس بداية لمواجهة قوات اللواء حفتر، إلا أنه دخل في صراع مع تنظيم "الدولة الإسلامية"، الأمر الذي أسفر عن مقتل أحد أبرز قيادات المجلس، وهو سالم دربي، قائد كتيبة شهداء أبوسليم، عقب اشتباكات عنيفة بين المجلس وتنظيم الدولة. لكن المواجهات أسفرت عن خسارة التنظيم مناطق ومواقع كانت تحت سيطرته. وبعد قتال لأشهر مع مجلس شورى مجاهدي درنة، اعترف تنظيم الدولة بخسارته لمواقعه في المدينة وخروجه منها في 12 تموز/ يوليو 2015.

لم تنقطع عمليات السيطرة على درنة من طرف القوات الموالية لحفتر، بعد طرد تنظيم الدولة، فقد حاصرتها قوات حفتر من الشرق والغرب والجنوب، ومنعت عنها الوقود وغاز الطهي وإمدادات الغذاء والدواء، في محاولة لانتزاعها من مجلس شورى مجاهدي درنة. كما لم تنقطع الضربات الجوية للقوات المصرية، ففي 16 شباط/ فبراير 2015 شنت الطائرات المصرية هجمات على مدينة درنة الليبية، تحت ذريعة استهداف مواقع لمسلحين متطرفين، وفي 26 أيار/ مايو 2017 قالت مصادر عسكرية مصرية إن القوات الجوية المصرية دمرت المركز الرئيسي لمجلس شورى مجاهدي درنة في ليبيا، وقال السيسي إن قواته وجهت ضربة قوية "للإرهابيين". وأعلنت قوات حفتر أنها شاركت في الغارات الجوية التي شنتها القوات الجوية المصرية على مدينة درنة الليبية. وفي 29 تموز/ يوليو 2017 أغلقت قوات حفتر جميع الطرق المؤدية للمدينة، وشددت الحصار عليها، وهو ما دفع بالأهالي إلى طلب النجدة والمساعدة من المجتمع الدولي وحكومة بلادهم. وفي 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2017 نفذ طيران مجهول غارات تستهدف مواقع بمدينة درنة، مما أدى إلى مقتل 17 مدنيا وجرح أكثر من 20، وقد طالبت منظمات حقوقية بالتحقيق في "الجريمة".

عندما أعلن خليفة حفتر بدء عملية عسكرية "لتحرير" مدينة درنة في 7 أيار/ مايو 2018، أدان المجلس الأعلى للدولة الليبي، في 18 أيار/ مايو 2018، تعرض أهالي درنة للاعتداء العسكري "غير المبرر"، واصفا إياه بـ"أفدح خروقات القانون الدولي، وإساءة لكل القيم الإنسانية والأخلاقية والقانونية"، وطالب البعثة الأممية في ليبيا بتحمل مسؤوليتها تجاه الوضع في درنة. ودعت الأمم المتحدة في 1 حزيران/ يونيو 2018 جميع أطراف النزاع في درنة إلى السماح بدخول العاملين في المجال الإنساني، وإدخال المساعدات اللازمة دون عوائق وبصورة آمنة.

 

المؤكد أن إخضاع درنة بالقوة الغاشمة سيؤسس لنهج راديكالي، ويعزز مجتمع الأحقاد


لا جدال في أن "قوة حماية درنة" لن تتمكن من الصمود طويلا نظرا لاختلال موازين القوة، وهو فصيل ليبي مسلح نشأ في 11 أيار/ مايو 2018، إثر اندلاع معركة درنة الثانية، ويتكون بالأساس من مجلس شورى مجاهدي درنة، كما جاء في بيان تأسيسه الذي أصدره المسؤول العام للمجلس عطية الشاعري، ليكون بمثابة ائتلاف يضم (بالإضافة للمجلس) شبابا متطوعا من مدينة درنة، هدفهم هو "الدفاع وحماية المدينة من هجوم القوات المسلحة".

لكن المؤكد أن إخضاع درنة بالقوة الغاشمة سيؤسس لنهج راديكالي، ويعزز مجتمع الأحقاد. فرغم طرد تنظيم" الدولة الإسلامية" من مناطق سيطرتها الأساسية في ليبيا العام المنصرم، وعلى رغم انتعاش الإنتاج النفطي ليبلغ أعلى مستوياته منذ ثلاثة أعوام، تبدو ليبيا الآن أشد استقطابا وانقساما من أي وقت مضى، حسب فريدريك ويري وولفرام لاشر. فحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس تتعثّر في تأدية وظائفها الأساسية، وتواجه تحدّيا وجوديا من فصيل شرقي يقوده اللواء خليفة حفتر ويحظى بدعم من مصر والإمارات العربية المتحدة، وبصورة مطّردة من روسيا. فضلا عن ذلك، ينزلق الاقتصاد نحو الانهيار، ولا يزال بإمكان المقاتلين الجهاديين أن يجدوا مكانا لهم وسط الفوضى التي تعم البلاد.

 

الاستعجال بشن الحرب على درنة كان رغبة فرنسية مصرية إماراتية، أكثر منها حفترية، خشية من غيبوبة لحفتر لا استفاقة منها، الأمر الذي سوف تذهب معها الجهود والنفقات الهائلة لحسابات "حرب الإرهاب"


وفي أماكن أخرى في ليبيا، كما يؤكد فريدريك ويري وولفرام لاشر، تلوح في الأفق بوادر النزاع. في بنغازي، ألحق ما يُسمّى الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر هزيمة كبرى بتنظيم "الدولة الإسلامية" ومجموعات جهادية أخرى، لكنه تسبّب في هذا الإطار بتمزّق شديد في النسيج الاجتماعي للمدينة، ما أدّى إلى نزوح الآلاف وإطلاق العنان لقوى إقصائية، مثل التعصّب القبلي والسلفية الشديدة المحافظية. غالب الظن أن الإسلاميين المطرودين من المدينة سيواصلون القتال، سواء عبر شنّ هجمات تقليدية من خارج المدينة أو عبر تنفيذ عمليات إرهابية داخلها. وفي أقصى الشرق، تفرض قوات حفتر حصارا على درنة، متهمة الإسلاميين الذين ألحقوا الهزيمة بـ"الدولة الإسلامية" هناك؛ بالانتماء إلى تنظيم القاعدة.

خلاصة القول أن الاستعجال بشن الحرب على درنة كان رغبة فرنسية مصرية إماراتية، أكثر منها حفترية، خشية من غيبوبة لحفتر لا استفاقة منها، الأمر الذي سوف تذهب معها الجهود والنفقات الهائلة لحسابات "حرب الإرهاب"، وتتبدد عبرها الإنجازات الفعلية والمتخيلة. فاختفاء حفتر سيعيد دينامية التحالفات الدولية والإقليمية والمحلية إلى سيرتها الأولى من الخلافات الانقسامات، بل ستغدو أكثر حدة وسط تأجيج مجتمع من الأحقاد. فقد دخلت ليبيا في مأزق سياسي منذ عام 2014، ولم تتمكن حكومة معترف بها من الأمم المتحدة بقيادة فايز السراج؛ من التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل البلد، حيث التقى رئيس مجلس الدولة الجديد في طرابلس خالد المشري، ورئيس مجلس النواب في طبرق صلاح عيسى، في المغرب؛ لمناقشة اتفاق. ورغم أن معسكر السراج كان واثقا من الوصول لاتفاق، إلا أن نقاط الخلاف حول تقاسم السلطة لا تزال قائمة. ولم يكن اجتماع باريس، الذي شارك به القائد العسكري خليفة حفتر ورئيس الوزراء في حكومة طرابلس فايز السراج، والاحتفاء بالاتفاق على مبادئ عامة تنهي الصراع المستمر، سوى حملة علاقات عامة لإعادة إحياء وتأهيل حفتر؛ خشية موت الوكلاء أنفسهم.