قضايا وآراء

النظام المصري يحصد الأشواك في إفريقيا

1300x600
"الأحمق هو الذي يختبر عمق الماء بكلتا قدميه"... تذكرت هذا المثل الإفريقي وأنا أقرأ خبر السقوط المدوي لممثل النظام المصري لتولي منصب رئيس البرلمان الإفريقي، وكان الهدف بالطبع محاولة هذا النظام البائس للظهور بمظهر القوي الحائز على الشرعية الإقليمية ومن ثم الدولية، وهي التجربة التي سبق وأن حاول فيها الوصول للهدف نفسه؛ من خلال الدفع بمرشح له في انتخابات اليونسكو، وكانت الفضيحة وقتها مدوية.

لكن خيبة الأمل التي تصاحب هذا النظام منذ قفزه على السلطة ودهسه للشرعية بدباباته؛ لا تفارقه، ولا تغرنه تلك الأموال التي يدفعها الكفيل الخليجي لشركات العلاقات العامة واللوبيات لتحسين صورته، ولا يغرنه تعامل الغرب البراجماتي معه على أساس أنه سلطة أمر واقع، فإخفاق مرشح النظام هو سقطة جديدة تضاف إلى سلسلة الفشل الذي تعيشه الدبلوماسية والنظام المصري.

مرشح النظام المصري النائب مصطفى الجندي، الذي نال 44 صوتا فقط، مقابل 144 صوتا حصدها مرشح الكاميرون روجر انكودو؛ الذي فاز بالمقعد.

عضو لجنة الشؤون الإفريقية بمجلس نواب النظام المصري (من مواليد محافظة الدقهلية التي مثلها في مجلس الشعب في الفترة من 2005 إلى 2010)، أصبح مثار جدل في الفترة الأخيرة، بعد أن كشف عن مصادر أمواله التي جمعت إبان حكم الرئيس المخلوع مبارك، وهو ما يعني أن الرجل هو أحد رجالات مبارك وأذرعه، بما يعني ذلك الكثير بالنسبة للأفارقة.

فالعلاقات المصرية الإفريقية تدهورت كثيرا في عهد مبارك، بعد تعرضه لمحاولة اغتيال عام 1995 في مؤتمر القمة الإفريقية بأديس أبابا، وهو ما أتبعه مبارك بسياسة الجفاء تجاه أإريقيا، وتراجع التمثيل المصري بالفعاليات الإفريقية، ومن ثم تهميش دورها بالقضايا الإفريقية، بعد أن كان لها أياد بيضاء بإفريقيا فترة الستينيات من القرن الماضي؛ بمساعدة حركات التحرر بمواجهة الاحتلال الأجنبي، وهو الدور الذي كان له تأثير جيد على علاقة مصر بأغلب الدول الإفريقية. وكان لدور الأزهر من جهة، والكنيسة المصرية من جهة أخرى، دور كبير، إلى جانب الدور التنموي والتعليمي الذي كانت تؤديه مصر في تقارب هذه الشعوب وحكومتها مع الإدارات المصرية المتعاقبة، حتى اتخذ مبارك قراره بالانسحاب من المشهد الإفريقي؛ مقدما أمنه الشخصي على الأمن القومي لبلاده.

وفي السنة التي قادها ممثل الثورة المصرية الرئيس محمد مرسي في السلطة، تحسنت كثيرا تلك العلاقات بخطاب منفتح من قبل الرئيس تجاه الأشقاء الأفارقة، وهو من قال في خطابه أمام القمة الإفريقية في أديس أبابا، "إن مصر ستعود إلى أحضان إفريقيا، وإلى دول منابع نهر النيل الذي يمثل شريان الحياة بالنسبة لمصر". وفي تلك الزيارة، استفاد الرئيس من وجود أغلب رؤساء إفريقيا ليعقد لقاءات ثنائية لإظهار الوجه الجديد لمصر الثورة، فاتحا صفحة جديدة كلها فهم لحقيقة العمق الاستراتيجي لمصر في إفريقيا، بانيا العلاقة مع الأشقاء على مبدأ "الربح للجميع"، لتخطو إفريقيا نحو التنمية بشراكات متوازنة بغير أطماع.

لكن وإثر الانقلاب العسكري في مصر منتصف 2013، تغير الوضع، وانتهج النظام منهج الكبر والصلف تجاه أشقائه، وكان موقف الاتحاد الإفريقي متحضرا، حينما رفض الانقلاب في مصر وجمد عضويتها، ليعود بعد ذلك النظام للاتحاد الإفريقي من خلال ضغوط سياسية غربية قادتها فرنسا وأمريكا، وضغوط مالية خليجية قادتها السعودية والإمارات، ومع ذلك لم ينس الأفارقة موقف أحد المسؤولين المصريين بمؤتمر للبيئة منتصف 2016؛ بوصفه الأفارقة بأنهم كلاب وعبيد.

وبعد أن كانت مصر تطمح في مقعد دائم ممثلة لإفريقيا في مجلس الأمن، مستندة في ذلك على الدعم الإفريقي لها، بعد تحسن علاقتها بأشقائها، أصبحت لا تستطيع أن تحصل على مقعد رئاسة البرلمان في القارة، بعد أن اتفق الدبلوماسيون الأفارقة على عدم منح النظام المصري أي مناصب قيادية بالقارة، التي يرى النظام شعوبها "كلابا وعبيدا".

القاعدة السياسية التي لا يستطيع النظام المصري أن يفهمها، أن البطش لا يمكن أن يُركع، وأن المال لا يمكن أن يخضع، وأن العالم الآن أصبح يتعامل بغير تلك القواعد التي فرضتها بداوة أصحاب البترول، وأن من يزرع شوكا لا يحصد وردا.