كتاب عربي 21

كم "ابن سلمان" مر علينا وعبث بديننا؟

1300x600
ماذا لو انتهى بنا المطاف إلى انتصار نهائي للدولة العسكرية في مصر؟ الشر "بره" وبعيد.. أقول ماذا لو، مجرد افتراض نظري لا أتمناه. التاريخ يكتبه المنتصرون، وكما يكتبون التاريخ السياسي والاجتماعي، يكتبون التاريخ الديني، والثقافي، ويظل المتن لرواية المنتصر، فيما يتحرك المهزوم في الهامش الذي يسمح به المنتصر (إن سمح) والذي يقوى على تحمل تكلفته المهزوم (إن قوي).

والآن، عن تاريخنا بعد 500 عام، في حال انتصار العساكر، اسرح بخياله وحاول أن تتحمل معي الآتي:

السيسي منقذ المصريين، البطل الذي حمى مصر من الخوارج الجدد، ومن الإرهاب، ومن المؤامرة الكونية. ومع رغبة المؤرخين المنحازين، ربما نكتشف بعد 500 عام أن بيع تيران وصنافير بدأ في عصر مرسي وحاول السيسي استدراكه دون جدوى، أو أن بيع تيران وصنافير فقط كان منجزا عظيما بعد أن كان "الإرهابي" محمد مرسي قد وقع على بياض؛ على عقد بيع سيناء بأكملها، ثم جاء السيسي الداهية الماكر وتحايل على العقد ولعب على ثغراته، واستطاع الحصول على توقيع عبد الله السعيد لثلاث سنوات للأهلي ثم عرضه للبيع!!!

المتعاطفون والمحبون ومدمنو القراءات المثالية لميراثهم؛ من الشخصيات التاريخية التي وصلت إلى محطة الواقع لامعة متألقة ملائكية لا تشوبها شائبة إنسانية، سيتولون أمر التحريف والتخريف إلى أن يصل السيسي إلى أحفادنا أكثر بطولة من الزناتي خليفة.

والآن ماذا عن رجال الدين؟ ماذا عن الدين نفسه؟ ماذا عن تصورات المصريين المسلمين لما حدث في مصر في 2013 وما بعدها؟ تصوراتهم بعد 500 سنة من الآن.. من هم سلفهم، مشايخهم، مراجعهم لتاريخ هذه الحقبة.. الإمام نور الدين علي بن جمعة رضي الله عنه، والعلامة أسامة بن أي حد الأزهري، والحبر الفهامة الحبيب علي الجفري، والمصباح المنير خالد بن أي حد الجندي، واللمبة النيون عمرو بن خالد. وعلى قدر اجتهاد كل واحد من كهنة المعبد السيساوي في الحفاظ على اسمه واستمراره ومنجزه وولائه للدولة المصرية؛ سوف يكون له نصيب من مستقبل سيسلم أمره إلى ماضيه مثلما نفعل الآن!

وربما نقرأ عن أفكار وأسماء، مثل وائل غنيم وعلاء عبد الفتاح والشيخ عماد عفت ومينا دانيال؛ باعتبارهم خوارج وفساد وفجار. وقد انعقد إجماع الأولين على ضلالهم، واختلفوا في كفرهم وخروجهم عن الملة من عدمه، فمنهم من قال كفروا بخروجهم عن الجماعة، ومنهم من قالوا اجتهدوا فأخطأوا وحسابهم على الله!!

لعله خيال ليلة صيفية في القاهرة شتوية في إسطنبول، رغم أن الوقت واحد، والإقليم واحد، والمسافة فركة بحر، لكنه في النهاية جزء من تاريخ المستقبل ينبئ به واقع الماضي، ومعه "حاضر" بائس مفتوح على كل الاحتمالات.

ما يعنيني هنا هو التنبيه على قدرة الدولة اللامتناهية على صياغة الواقع وجزء مهم من المستقبل وفق روايتها. فالناس على دين ملوكهم حقيقة لا مجازا، وقد قال أحدهم يوما: الناس على دين إذاعاتهم، وعنده كل الحق، فمن يملك الميكروفون، وحده يعلو صوته، ويصل إلى الناس، فكيف بمن يملك الإذاعة والتلفزيون والفضائيات وكتائب السوشال ميديا، ودور النشر، ومراكز الأحداث، والأزهر، والكنيسة؟ كيف بمن يملك كل مصادر القوة والتأثير، وينفق على ترويج روايته من أموال الناس بغير حساب؟

وإذا كان الواقع يشهد بقدرة السيسي ورجاله على تزوير التاريخ والفتيا والخطاب السياسي والديني والإعلامي، رغم أننا في عالم السماوات المفتوحة، ولسنا في ما عالم ما قبل الراديو، ورغم انتصار نموذج الدولة القومية، الديمقراطية، والكلام النظري (الفارغ في شرقنا الأوسط الأكثر فراغا) عن المشاركة في الحكم والانتخابات وحرية التعبير.. إلخ.. أقول إذا كان الواقع "المهندم" يشهد بقدرة السلطة على "بهدلة" اليوم والغد، فكيف بأزمنة كان ولي الأمر يملك فيها كل مفاتيح التأثير دون مساءلة ولا رقيب غير الله، بشرعية خلافة صاغها أمراء بني أمية وبني العباس ومن خلفهم؛ على مقاس مصالحهم وأهوائهم في الاستئثار بالسلطة وتوريثها لأبنائهم وأحفادهم؟

السعودية اليوم تستقبل نجم الجيل تامر حسني، مهرجانات الموضة، قيادة المرأة (أم نصف عقل ودين) للسيارة، وأخيرا لا يلزمها غطاء على رأس النسوان ما دمن محتشمات وحلوات، كما صرح بذلك أخيرا خادم الحرمين الليبرالي!

فجأة ظهر أن هناك مشايخ سعوديين وأعضاء في هيئة كبار العلماء لا يحرمون الموسيقى. دعك ممن سكتوا، أو غيروا رأيهم، ثمة من كان رأيه كذلك بالفعل، شيوخ الهوامش، أين كانوا؟ لماذا لم يصلوا إلى الناس من قبل، رغم علمهم وفقههم؟ لماذا لم يتجاور الرأيان إذا كانت الكلمة للعلم، لا للسلطان؟

الواقع أن العلم موجود دائما موجود، لكن ذيوعه مرهون بأمر مولانا السلطان، وتلفزيون مولانا السلطان، وإذاعات مولانا السلطان، وجامعات مولانا السلطان، وجوامع وكنايس مولانا السلطان، وماء وهواء ومجرة وكون مولانا السلطان.. كذلك هو الآن، وكذلك كان في الأزمنة الأولى، وكذلك سيظل إن لم تدركنا الحرية برحمة التنوع!

ومن يدري، ربما يحمل الغد البعيد رواية أخرى عن السعودية التي لم تعرف التنطع يوما، ولا التشدد، ولا فقه البداوة، ولا تصدير النموذج الوهابي للإقليم البائس، والحكم به. ويؤكد المؤرخون القادمون في رحم الغيب على أن السعودية كانت منذ أن كانت؛ بيت العقلانية الإسلامية ومنارة الاعتدال ودولة المعتزلة الجدد، وبحر العلوم، وشمس الأنوار، "لو" كتب لابن سلمان أن ينتصر ويكمل ما بدأه أسلافه من "ملكنة" الواقع، و"سلطنته" وصياغته على كيف ومزاج طويل العمر!

إن ما يمليه علينا الآن درس الواقع، هو ضرورة البحث في "هوامش" الماضي، في كتب التاريخ والأدب والشعر، وما "أفلت" من مخطوطات العلماء المناضلين القدامى، عن ديننا الحقيقي، "إسلام الهامش"، ذلك الذي سرقه السلطان، فعاد غريبا كما بدأ غريبا، وكما يفعل الآن كل الطغاة من ابن سلمان والسيسي وبشار، إلى ظلالهم وأذرعتهم: علي جمعة والحويني والعريفي والفوزان، ومن لف لفهم. نحتاج بدورنا أن "نلف لفة"، للناس لا للسلطان، وكله "على الله".