قضايا وآراء

غصن الزيتون.. هل تتحول لحرب تصفية حسابات بين الدول؟

1300x600
ما يحدث في سوريا اليوم أعاد إلى أذهاننا ما حدث في أفغانستان. ففي جبال الهندكوش في أفغانستان، تحطمت أعتى جيوش الأرض صلابة وقوة.. كبرى جيوش العالم سقطت أمام حفنة مليشيات، فقد تحطمت الأسطورة السوفيتية على يد حفنة مليشيات أنشأتها أمريكا. وهنا يكمن دور الخبث الأمريكي الذي ابتكر طريقة جديدة في الحروب تسمى "الحرب بالوكالة".

كان أول من أنشأ فكرة تنظيم القاعدة في أفغانستان لمحاربة السوفييت هو بريجينسكي، وأطلقت عليهم أمريكا مصطلح "محاربون من أجل الحرية". وأوكلت مهمة تمويل هذه الجماعة إلى السعودية، وقام الإعلام السعودي بالترويج للجهاد للقتال ضد الملاحدة الروس.

بعد سنين من الحروب وانتهاء أسطورة السوفييت، وبقاء أفغانستان مدمرة إلى الآن، ها نحن نشاهد المشهد يتكرر في سوريا، لكن الغريب والأغرب من هذا تشابك خيوط اللعبة وحسابات الدول في عفرين، ووقعت تركيا في المنتصف.

قبل مرور مئة عام اتفاقية سايكس بيكو، وضعت أمريكا خططها لمشروع الشرق الأوسط الكبي، فترى أمريكا أن اتفاقية سايكس بيكو ظالمة؛ لأنها لم تكن عادلة بالنسبة للأقليات، فيجب تقسيم حدود الدول على أساس طائفي عرقي.

بدأت اللعبة من إقليم كردستان، فأحست تركيا وإيران والعراق بالخطر، فاجتمعوا وأفشلوا مشروع استقلال كردستان، في حين انسحبت أمريكا بهدوء من أجل ألا تؤثر على خططها في بقية الدول، وهنا نصل إلى مربط الفرس.

من المعلوم أن أمريكا كانت تدعي أنها تناصر الثوار السوريين، في حين فرضت على الدول المناصرة للثورة خطا أحمر، ومنعتها من تسليح المعارضة بالأسلحة النوعية، لماذا...؟

بعد ظهور تنظيم الدولة في سوريا، وبعد قدوم ترامب للحكم، وضعت أمريكا خططها للقضاء على داعش في سوريا، كما تدعي، فقامت باستخدام المليشيات الكردية، لهذا الغرض المعلن، لكن كان لها هدف خفي لم يظهر بعد.

بدأت الشكوك تراود تركيا حيال الأمر، فتركيا تعتبر هذه المليشيات تشكل خطرا قوميا على وجودها، فاعترضت على الأمر، لكن أمريكا لم تصغ لذلك، فعرضت تركيا أن تدخل قواتها وقوات الجيش الحر لتحرير الرقة، إلا أن أمريكا رفضت قطعيا ذلك، وأصرت على استخدام المليشيات.

تركيا نفذت قبل ذلك عملية درع الفرات وحققت انتصارا كاسحا على داعش في جرابلس والباب، بفضل قواتها والجيش الحر، وكانت تنوي التقدم لمنبج التي يسيطر عليها المليشيات الكردية، إلا أنها اصطدمت بحائط أمريكي، فأجلت تركيا المواجهة مع المليشيات خشية الاصطدام مع واشنطن.

واشنطن بدأت تظهر أهدافها للعلن، فقامت بتسليح المليشيات الكردية بأسلحة نوعية حيث رصدت المخابرات التركية وصول أكثر من أربعة آلاف شاحنة سلاح للمليشيات، وهي أسلحة كافية لإعداد جيش كامل.

وهنا وصلنا لمرحلة الصراع الحقيقي. فبعد مرحلة التسليح،، أعلنت واشنطن أنها ستنشئ جيشا قوامه 30 ألفا لتشكيل حماية للمنطقة الحدودية مع تركيا والتي تسيطر المليشيات الكردية على طول 600 كيلو من الحدود السورية التركية.

بعد هذا التصريح تصاعد حدة الخطاب بين تركيا وواشنطن، فحشدت تركيا جيشها لعبور الحدود السورية.

هنا قررت تركيا الدخول لعفرين، بالرغم من الخطورة الكبيرة التي ستعقد هذه المسارات. فبعد حملة تركية من التصريحات، أطلقت تركيا معركة عفرين، وأطلقت عليها "معركة غصن الزيتون".

كانت المليشيات الكردية على استعداد كامل لخوض المعركة من حيث التجهيز، فقد أعدت المئات من الخنادق والألغام، ووضعت تحصينات قوية جدا للمدينة؛ يصعب اختراقها.

صمتت واشنطن عن التدخل التركي في عفرين؛ لأنها تراهن على حرب استنزاف لتركيا، حيث سلحت الأكراد بكل الأسلحة النوعية عدا الطائرات الحربية والأسلحة النووية.

بدأت المعارك، وواجه الجيش التركي والجيش السوري الحر مقاومة شرسة من المليشيات، وتوجه إعلام العالم كله أنظاره لعفرين، بتحيز تام مع المليشيات.

وصلنا في يومنا هذا لقرابة الشهر على انطلاق المعركة، وكانت النتائج غير متوقعة على الإطلاق.. خلال هذه الفترة حررت تركيا قرابة 48 نقطة في عفرين منها قرى وتلال ومزارع، وكسرت الخط الأول لدفاع المليشيات الكردية.. قتلت تركيا قرابة 1300 عنصر من المليشيات، فيما خسرت من صفوفها قرابة 31 جنديا تركيا وأكثر من 50 عنصرا من الجيش الحر، وأكثر من مئتي جريح.

كانت النتائج الأولية مفجعة للأتراك، والسبب يعود ليس لشراسة المليشيات، بل للدعم اللوجيستي والاستخباراتي، وحتى الإعلامي، من عدة دول لهذه المليشيات، منها أمريكا وفرنسا وألمانيا والسعودية والإمارات وإيران ونظام الأسد.

قد لا تصدقون وجود أسماء بعض أسماء هذه الدول، وبعض هذه الدول في عداء تام مع دول أخرى، لكن كيف اجتمع الفرقاء في عفرين؟

- فأمريكا تسعى لتنفيذ مخطط تقسيم سوريا، فوضعت الأكراد في الشمال السوري وجنوب تركيا للبدء بالمخطط.

- من المعروف العداء التركي الألماني في السنوات الأخيرة. فبالإضافة لإيواء ألمانيا لقادة هذه المليشيات، قامت ألمانيا بتسليح المليشيات بصواريخ ميلانو المضادة لدبابتها "ليوبارد"، بعد استخدام تركيا للدبابات الألمانية في عفرين.

- اعتراض فرنسا من أول أيام المعركة بشكل غير رسمي، ولها دور خفي في دعم الوحدات الكردية لوجستيا

- السعودية والإمارات، دخلتا على خط الأزمة نكاية بتركيا، بعد وقوفها إلى جانب قطر في الأزمة الخليجية، وتبنت الإمارات تمويل المليشيات ماديا، في حين تبنى الإعلام السعودي والإماراتي على حد سواء؛ الهجوم الشرس على تركيا ولصالح المليشيات.

- إيران: قد يظن البعض أن تركيا نسقت مع إيران في بداية الحملة، وربما كان هناك تنسيق جزئي، إلا أن مواقف إيران من الحرب في عفرين بات واضحا جدا على لسان وزير خارجيتها الذي طالب تركيا بإيقاف فوري للحرب. فإيران تخشى تنامي النفوذ التركي في سوريا على حساب وجودها.

- نظام الأسد: فقد أعلنت المليشيات بكل وضوح أن مقاتليها يصلون لعفرين من خارجها عن طريق الأراضي التي يسيطر عليها النظام، بل حتى الأمس القريب فتحت المليشيا للنظام طريقا للدخول لعفرين لمجابهة الجيش الحر وتركيا. فحتى النظام الذي في حال تعاونه مع الأكراد قد يؤدي إلى تقسيم سوريا، تحالف معهم، من أجل كبح قوة الجيش الحر وتوسعه. بل حتى روسيا التي تفاهمت تركيا معها على التنسيق لغصن الزيتون، تتعمد إغلاق أجواء سوريا بين الحين والآخر، وهو أحد أسباب التقدم البطيء للقوات التركية.

هنا يمكننا القول بأن أهداف الفرقاء التقت على غصن الزيتون، فحتى أشد المتشائمين لم يكن ليتوقع أن يحدث التقاء لأهداف هذه الدول على غصن واحد.

ومؤخرا رصدت واشنطن قرابة 550 مليون دولار من ميزانية دفاعها لتمويل وتدريب المليشيات. فهل تخطط واشنطن لتدمير القوة الإسلامية الناشئة، والتي يعول عليها الكثير من أبناء المسلمين؟

ورغم التقاء الفرقاء، إلا أن ‏التفاهمات الدولية في سوريا منقسمة على نفسها، ولهذا يشهد العالم تبايناً نوعياً لم يسبق له مثيل بنزول المعسكرين الشرقي والغربي في الشام، ما يعني ديمومة التنافس وربما الصدام.

اقترب الفجر في سوريا، وغدا سيعرف العالم الخيط الأبيض من الأسود، وكيف يلعب ضباع العالم في سوريا بالبشر؛ كأحجار في رقعة الشطرنج.