مقالات مختارة

حتى لا تصدمنا تونس مرتين

1300x600

هي استثناء عربي، ما في ذلك شك ولا اختلاف، لكن هل أن تفردها السياسي سيكون البشارة التي تسبق ولادة مسخ اجتماعي يقطعها عن أصلها وجذورها ويجعلها منزوعة الروح والقيم والدين؟ صحيح أن تونس سحرت ألباب الثوار وأبهرتهم، لكنها صدمتهم أيضا حين فرشت سجاد الديمقراطية أمام حرسها القديم، ليعود ظافرا إلى مواقعه الأبدية في السلطة. 

كانت حاجتها لبقاء جنينها الديمقراطي حيا هي التي فرضت عليها شرب العلقم، لكن أي حاجة قد تبرر الآن صدمة ثانية قد تحصل حين تقطع كل روابطها الروحية والدينية، وتتخلى عن شكلها ولونها الأصلي، لتصير بشكل ولون اصطناعي؟ لقد مضى زمن طويل حسمت فيه كثير من التونسيات أشياء كثيرة. لم يكن للبعض منهن أي مشكل مثلا مع معتقد القرين، ولم يكنّ يرين فيه حاجزا فعليا يمنعهن من الارتباط بمن يرغبن. لقد كن دوما يجدن حيلا للالتفاف على مقرر وزاري كان يمنع زواج المسلمة بغير المسلم.

وما حصل بعد الهزة التي أحدثها خطاب الرئيس قائد السبسي في الثالث عشر من أغسطس الماضي، حول إقرار المساواة التامة بين الرجال والنساء في الميراث، ودعوته الصريحة لحذف المقرر المذكور، هو أنهن صرن أكثر اقتناعا بأن الطريق باتت معبدة أمامهن لنيل ما اعتبرنه حقا من حقوقهن الشخصية. لقد وجدن ضالتهن ليس فقط في نوايا الرئيس، بل فيما نشرته تعليقا عليها دار الإفتاء على صفحتها على فيسبوك من» أن الأستاذ الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية التونسية، أستاذ بحق لكل التونسيين وغير التونسيين، وهو الأب لنا جميعا بما أوتي من تجربة سياسية وذكاء وبعد نظر». 

ثم في ما قاله المفتي في تصريحات صحافية، ردا على انتقاد شيخ الأزهر لتلك المبادرة من أن» كل طرف له موقف، والجميع يخول لهم إبداء الرأي، لكن أهل مكة أدرى بشعابها، ولا يمكن التدخل في شأن ونقاش داخلي في تونس». ومن أن المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة تستند إلى «جوهر الدين الإسلامي الذي جاء ليكون خيرا للناس وسعادة لهم وليس شرا أو شقاء، وإنه أينما كانت مصلحة الناس كان شرع الله، وأن هذه المصالح متغيرة تغير الزمان والمكان، من فترة لأخرى، ومن عصر لآخر، ومن مجموعة بشرية في بيئة معينة إلى مجموعة بشرية في بيئة مختلفة، وبالتالي فشرع الله في المسائل الاجتماعية والحياتية يمكن أن يتغير ويتطور ويختلف من مكان لمكان، ومن زمان لزمان، ومن بيئة بشرية بصفات وعادات إلى بيئة بشرية أخرى». وما أضافه بعدها من أن زواج المسلمة بغير المسلم «فيه مصلحة للناس، لأن العالم كله تغير، وأصبحت هناك مبادئ وقوانين محلية وعالمية، تحكم علاقة الزوج بزوجته، وتمنعه من إجبارها على شيء أو التعدي عليها، أو إخضاعها له، وتحافظ على حرية العقيدة والعبادة لكل فرد». 

إن ما وجدنه في تلك الكلمات هو ما كن يبحثن عنه، أي الرداء الشرعي الذي يجعلهن قادرات على أن يقلن إن ما فعلنه أو ما يطمحن لفعله ليس مخالفا أبدا للدين والشريعة. فلم يكن المشكل في نظرهن هو في مجرد تغيير القوانين، بقدر ما كان في إحساسهن بانهن لم يعدن يخرقن أو ينتهكن محظورا دينيا، وأن كل ما يفعلنه هو من صميم الإسلام المستنير والمتسامح، الذي يراعي الظروف والمصالح ولا يتعارض معها، مثلما أخبرهم بذلك سماحة المفتي وبعظمة لسانه. وربما كانت بالنسبة لهن تلك هي المرة الأولى التي صار باستطاعتهن أن يقلن فيها بثقة وتحد، إنهن مسلمات كاملات الإسلام، وإن مساواتهن مع الرجال في الإرث أو زواجهن من غير المسلمين لا تتعارض مطلقا مع الدين. لكن هل ستحسم المسألة بتلك البساطة والسهولة في خطاب رئاسي وشبه فتوى يصدرها مفتي القصر؟

لقد انتهى باكرا على ما يبدو مفعول ما وصفتها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية الصيف الماضي بالـ»قنبلة التي ألقيت في تونس». وعلى عكس ما كان منتظرا في بلد مفتوح على تعدد الآراء ومصنفا في اعلى المراتب في حرية التعبير، غابت النقاشات والحوارات تماما، واقتصر الأمر على لجنة اختارها قائد السبسي منفردا ليعهد لنسائها ورجالها، بإعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية، وبالمساواة، وتقديم مقترحات إلى الرئاسة أو المؤسسات الدستورية الأخرى، حول كيفية تدعيم مبدأ المساواة بشكل عام في تونس في ظرف ستة شهور فقط، حسبما أعلن عنه في وقت سابق.

مع من تحدث الأعضاء؟ وما الذي فعلوه حتى يحققوا ما وعد به قائد السبسي في خطابه، من أن»العقل الإيماني الإصلاحي القانوني التونسي سيجد الصيغ الملائمة التي لا تتعارض لا مع الدين ومقاصده ولا مع الدستور ومبادئه»، وتكون في الوقت نفسه «لبنة أساسية في اتجاه المساواة الكاملة» على حد تعبيره؟ وكيف تركت مثل تلك الأمور الحساسة والمهمة فريسة سهلة للأهواء والتقلبات والتحيزات الأيديولوجية والسياسية؟ والجدوى من كل ذلك، وما الذي ستكسبه تونس اليوم من وراء خلع أبواب مفتوحة والتصادم العنيف مع معتقدات التونسيين ومشاعرهم، بدعوى حماية الحريات الشخصية؟ ألا يمثل الأمر مجازفة خرقاء وخطيرة قد ترتد عليها بالوبال؟ ثم أليس غريبا أن تحسم في بلد ديمقراطي قضية شائكة ومصيرية، مثل علاقة الدين بالحريات داخل لجنة ليس فيها الحد الأدنى من التوازن والتعدد الفكري والسياسي المطلوب؟ وهل أن غياب علماء الدين والاجتماع والسياسة، وحتى علماء النفس سيجعل أي قرارات أو توصيات تصدر عنها مقبولة شعبيا واجتماعيا؟


قد يبدو الإشكال للوهلة الأولى في سوء التنظيم، وقد يلوح أيضا تشريعيا وقانونيا فقط، أي متعلقا بمجرد إعداد نصوص لعرضها للتصويت في البرلمان، ولكن المسألة أعمق من ذلك بكثير، إنها تخص أي مجتمع، وأي جيل تريد تونس بناءه في المستقبل؟ لقد حفظت تشريعاتها القديمة في الأسرة بدون مراجعات أو تعديلات، واعتبرتها مكاسب مقدسة لا يجوز الطعن فيها، أو المساس بها، أو حتى تشريحها ومعرفة الصالح منها من الفاسد. فعلت ذلك فقط من باب الوفاء لميراث رجل كان يرى أن أهم إنجازاته هو تحرير المرأة، ولم يكن يعنيه كثيرا إن كان شعبه حرا بالفعل أم لا.

والمصيبة هي أن مناخ الزعامة والفردية الذي سمح لبورقيبة قبل أكثر من ستين عاما بأن يفرض آراءه ومواقفه السياسية والاجتماعية على حد سواء، بقي حاضرا في عصر، ظن فيه التونسيون انهم طلقوا الاستفراد بالرأي بالثلاثة، وباتوا أصحاب القرار. هل خانتهم نخبهم الفكرية والدينية والسياسية، التي خفتت أصواتها، وتوارت وراء لعبة المصالح والتوافقات؟ أم خدعهم إعلامهم الذي لم يفلح سوى في صنع قنابل الدخان؟

ربما كان افتقاد طبقتهم الإعلامية والسياسية لبعض الرشد هو لب المشكل. ولكن السؤال الأهم هو هل انهم مدركون فعلا لما قد تتركه صدمة اجتماعية ودينية جديدة على مسارهم السياسي الاستثنائي؟ أم أن انبهارهم بالحريات سيجرفهم نحو قاع الهاوية؟ هذا ما لا تخبرنا به إلى الآن لا مراكز الاستطلاعات، ولا حتى مكاتب العرافات. 

القدس العربي