مذكرات عاكف

صفحات من الذكريات: رحلة في ذكريات عاكف (8)

محمد مهدي عاكف - جيتي

وجها لوجه مع البوليس السياسي


تخرجت في الجامعة، وكان ترتيبي السادس على الدفعة، ومن حقي أن أعَيّن في القاهرة، ولكن البوليس السياسي رفض تعييني في القاهرة. وكان مدير التربية الرياضية في ذلك الوقت -ويدعى علي حافظ- صديقا عزيزا، فأخبرني بأن البوليس السياسي رفض تعييني في القاهرة، وقال لي: اختر أي محافظة أخرى، فاخترت طنطا، على أساس أنني أستطيع السفر كل يوم.

بعد تعييني بطنطا، فكرت في الالتحاق بكلية الحقوق، التي كانت تشترط أن تكون معي شهادة توجيهي أدبي، وأنا شهادتي توجيهي علمي. وبعد حصولي على توجيهي أدبي، كان شرط الالتحاق بكلية الحقوق موافقة المدير المباشر، وإذا بناظر المدرسة في طنطا الثانوية يرفض رفضا قاطعا، قائلا: أنا لا أستطيع الاستغناء عنك لدقيقة واحدة. ولكن جاءني الفرج على يد الدكتور فؤاد جلال، أستاذ التربية، وهو من الأساتذة الذين أكن لهم الحب والاحترام، حيث أرسل لي يخبرني بأن منظمة اليونسكو أنشأت مدرسة داخلية في "سرس الليان" مخصصة للفقراء؛ لتكون نموذجا لتخريج مدرسي التعليم الأساسي. وقال: نريدك معنا في اليونسكو؛ لأنني أرى أنك أفضل من يستطيع أن يشرف على المدرسة. فوافقت، وطلبت منه في المقابل أن يوافق على التحاقي بالجامعة، فرحب بذلك، ووافق. وبالفعل التحقت بكلية الحقوق، بجانب عملي في سرس الليان.

مدرب الفدائيين

ظللنا في المعتقل على الرغم من أننا طلبة، حتى تمت إقالة وزارة إبراهيم عبد الهادي، وخرجنا بعد ما يقرب من العام، ودخلنا الامتحانات؛ لأنني كنت طالبا بكلية الحقوق بجامعة إبراهيم باشا -عين شمس حاليا- وتواصلت مع إخواني حتى صدر قرار من المحكمة بإلغاء قرار حل الإخوان، وعودتها مرة أخرى، واسترجاع ممتلكاتها. ومع ذلك، ماطل سراج باشا في تنفيذ الحكم، وكان آنذاك وزيرا للداخلية، إلا أننا نفذنا حكم المحكمة، وافتتحنا المركز العام.

في هذا العام أيضا، تم انتخاب المستشار حسن الهضيبي مرشدا عاما لجماعة الإخوان المسلمين، وكان أول ما قال: "لا سرية في الدعوة"؛ لذا أصبح النظام الخاص نظاما علنيا؛ ما أغضب بعض قادة النظام القدماء.

في عام 1951م، استجابت الحكومة لإرادة الشعب، وألغت معاهدة 1936م، ولا أنسى حين وقف مصطفى النحاس في مجلس النواب، وقال: "باسم مصر وقعتُ معاهدة 1936 م، وباسم مصر أطالبكم اليوم بإلغائها". فهذا موقف وطني منه، وكذلك كان فؤاد سراج الدين، وزير الداخلية، عنده وطنية في كثير من المواقف.

ومن هذا اليوم، انطلق الشباب يجهزون لحرب عصابات، وقام المصريون بملحمة كبيرة وقوية بأن أضربوا عن العمل في المعسكرات البريطانية.

ومن ثم كان دور شباب الجامعة. وكنت آنذاك طالبا بكلية الحقوق جامعة إبراهيم باشا -عين شمس حاليا- فأنشأت معسكرا للتدريب داخل كلية الهندسة بالجامعة.

كان حلمي مراد، رئيس اتحاد الطلبة في جامعة إبراهيم باشا، لا يزال شابا صغيرا، جاء لتوه من فرنسا، فوجئت به يرسل إليَّ هو وبعض الطلبة، بأنهم يريدون أن ننشئ معسكرات في الجامعة، ونتدرب على السلاح لنحارب الإنجليز. واختارني الاتحاد لأكون رئيس معسكرات جامعة إبراهيم باشا، فأخذتُ الإذن والتوجيه من الإخوان، ثم وضعت خطة، وبرنامج المعسكر بنفسي.

وقام برنامج التدريب على هدفين أساسيين؛ الأول: محو الأمية العسكرية لدى الشعب المصري، وطلبة الجامعات، والثاني: أن يسير التدريب في برنامج جاد، بحيث لا يمسك سلاحا إلا الشخص الجاد الذي ينجح في كل الاختبارات الرياضية العنيفة والمصارعة، مع الصبر والالتزام الكامل بشروط الجندية خُلُقا وقيما. وقد نصبت خيمة في قلب الجامعة، ووضعنا فيها بعض الأسلحة، وبدأنا التدريب وفق البرنامج الموضوع.

وكانت تقام معسكرات تربوية للطلاب بالتنسيق بين قسم التربية الرياضية وقسم الطلاب في الإخوان، ويتم إعداده للطلاب بما يتناسب معهم. وظللنا نعمل حتى خرجنا أفواجا كثيرة، دون أن يشعر بنا أحد غير بعض الأساتذة، ومنهم دكتور مصطفى كمال حلمي، وكان مدرس كيمياء في كلية الهندسة، ودكتور حسن مرعي، وكان نعم الرجل، ودكتور عثمان خليل، عميد كلية الحقوق. وكثير من الأساتذة كانوا يشجعوننا، وعلى رأس هؤلاء جميعا الدكتور سعيد النجار، وكان مدرسا بكلية الطب، ويكاد يكون معي خطوة بخطوة.

في يوم من الأيام، فوجئتُ بالدكتور عثمان خليل، عميد كلية الحقوق، يخبرني بأن مدير الجامعة، الدكتور محمد كامل حسين، يريد أن يقوم بافتتاح المعسكر على شاكلة معسكر جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، فقلت له: يا عثمان بك، نحن خارجون عن القانون، ونعمل في حمى حرم الجامعة، ولا نستطيع أن نقوم بذلك خارج الحرم الجامعي، وأنتم لكم صفة رسمية، فهل تشاركوننا هذه المسؤولية؟ فصمت ولم يرد عليّ بكلمة. وجاءني الدكتور حسن مرعي، وقال لي الكلام ذاته، فأجبته بالرد نفسه. وجاءني قائد الحرس أيضا، وكان برتبة عقيد، فقلت له الكلام السابق ذاته، فلم يحر جوابا.. إلى أن أرسل في طلبي الدكتور محمد كامل حسين، مدير الجامعة، وكان رجلا عالما ومهذبا، فذهبت إليه في مكتبه، واستقبلني منذ دخلت من الباب حتى أجلسني بجانبه، وكان الدكتور نظيف وكيل الجامعة موجودا في المكتب ذاته، فكرر عليّ الطلب، بأن يقوم بافتتاح المعسكر بنفسه، ورددت عليه بردي على السابقين، ولست أنسى ما قاله ما حييت، قال لي: "شرف عظيم يا بني أن أشارككم جهادكم".

عندما سمعت ذلك سررت كثيرا، وأعددت حفلا لافتتاح المعسكر بالذخيرة الحية، لم تشهد الجامعة مثله من قبل. كنا شبابا متحمسين، وليس لنا ثقة في أهل الحكم والإدارة، فأحببت أن أؤمن نفسي، فأحضرت مدفعا، وقبل أن أقدم لكلمة الدكتور محمد كامل حسين قلت: قبل أن نستمع إلى كلمة الدكتور محمد كامل حسين، فلنستمع إليه وهو يفتتح المعسكر بطلقات الرصاص. وكنت قد دعوت صحفيين، فالتقطوا له الصور وهو يمسك بالمدفع، ونشرت الصور في الصفحات الأولى في الصحف في اليوم التالي.

أما مصادر الأسلحة، فقد كنا نحصل عليها أحيانا من الجيش، وأحيانا نشتريها من أماكن متفرقة. وباعتبارنا في النظام الخاص، فقد كانت لدينا دراية بأماكن هذه الأسلحة المتناثرة في الصحراء الغربية، وكنا نعتمد على التبرعات في شراء هذه الأسلحة. أذكر أن أحد الأفراد من دمنهور حضر إلى الجامعة، وتبرع بـ500 جنيه للفدائيين، وطالب بشراء مستلزمات هؤلاء المجاهدين، واستحلفني بالله ألا أذكر اسمه، وأن يكون الأمر لله.

كانت ميزانية اتحاد الطلبة آنذاك حوالي ثلاثة آلاف جنيه، فحضرت معهم مرة -ولم أكن عضوا في الاتحاد- وطلبت منهم تحويل أموال الاتحاد للمجاهدين لتدريبهم وتسليحهم، وكانت تجلس بجواري أسماء فهمي -صاحبة المدارس المشهورة- لكن لم يوافق أحد على هذا الاقتراح، بيد أن أسماء قالت: أطلب رفع الجلسة. وأثناء ذلك التقتْ بكل واحد على حدة تقنعه بالأمر، وفوجئت في الجلسة الثانية بموافقة الجميع على تحويل أموال الاتحاد للمجاهدين.

وحينما أعلنت عن فتح باب التدريب، انضم إلينا ما يقرب من 1000 طالب، لكنني لم أعط سلاحا لأحد إلا بعد اجتياز جميع الاختبارات.

وضعت جدولا للمحافظة على العبادات والصلوات؛ حتى لا تسقط منا، بل كنت أحرص على حضور العلماء؛ لغرس معاني الجهاد الحق في نفوس الطلاب.

كان معسكر جامعة الأزهر يشرف عليه الأخ أحمد العسال، والدكتور يوسف القرضاوي، والأستاذ عبد الله العقيل. أما معسكر عين شمس، فكنت أشرف عليه، وكان معي المرحوم الأخ الدكتور سعيد النجار، والدكتور وائل شاهين، والمرحوم الأخ حسن عبد الغني المحامي.

نشط مدربو الجامعات في التدريب نشاطا فاق كل وصف، حتى إنهم دربوا على استعمال جميع الأسلحة والمفرقعات، وحرب العصابات، وتكونت الكتائب القتالية، وتحدد لها مواعيد التحرك، ودخول المعركة.

 

اقرأ أيضا: صفحات من الذكريات: رحلة في ذكريات عاكف (7)

اقرأ أيضا: صفحات من الذكريات: رحلة في ذكريات عاكف (6)