كتاب عربي 21

إعادة الهيكلة الجهادية في عام جديد

1300x600

شهد العام المنصرم نهاية حقبة جهادية استثنائية قادها تنظيم "الدولة الإسلامية" على مدى قرابة ثلاث سنوات، تمثلت بطفرة هائلة في مجال الاستقطاب والتجنيد، ووفرة مالية كبيرة عقب سيطرة التنظيم على مساحات واسعة في العراق وسوريا، ضمت مدن وبلدات رئيسية. وقد تمكن تنظيم الدولة خلال هذه الحقبة من إقامة "خلافة" ممتدة، وتأسيس هياكل عسكرية ومدنية كنظام حكم، بفرض أيديولوجيته وأجندته على كتل سكانية كرعايا، وعمل التنظيم على تأسيس ولايات خارجية في بلدان عديدة، وتمكنت بعض الفروع من السيطرة على مساحات كبيرة، وخصوصا في شمال أفريقيا، حيث أقام إمارة في مدينة سرت في ليبيا، وفي غرب أفريقيا في نيجيريا، وفي سيناء بمصر.. وتمدد التظيم في اليمن وفي جنوب شرق آسيا في الفلبين، وفي أفغانستان بولاية خراسان، وغيرها. كما نشط جهاز العمل الخارجي بتأسيس شبكات وخلايا في أوروبا، وتمكن من تنفيذ عمليات خارجية منسقة، فضلا عن استنفار الخلايا الفردية "الذئاب المنفردة" في أمريكا وروسيا وبلدان أخرى.

مع دخول العام الجديد، يكون تنظيم "الدولة الإسلامية" قد خسر كافة المدن والبلدات التي كانت بحوزته، وذلك عقب تشكيل تحالفين كبيرين في ذات الوقت، أحدهما تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بمشاركة أكثر من 60 دولة، منذ أيلول/ سبتمير 2014، بالتنسيق مع حلفائها الميدانيين في العراق وسوريا، وثانيهما تقوده وروسيا بمشاركة إيران، منذ أيلول/ سبتمير 2015، بالتعاون شركائها المحليين في سوريا. ومع تصاعد الحملة الكونية على تنظيم الدولة الإسلامية، بدأت مدن التنظيم بالسقوط الواحدة تلو الأخرى، كما حصل في مدينة سرت الليبية في كانون أول/ ديسمبر 2016، وفي العراق؛ خسر التنظيم مدنة الرمادي في العراق في شباط/ فبراير 2016، ومدينة الفلوجة في حزيران/ يونيو 2016، وخسر عاصمته العراقية وثاني مدن العراق، الموصل، في تموز/ يوليو 2017، وبعدها خسر التنظيم قضاء تلعفر في آب/ أغسطس 2017، ثم قضاء الحويجة في تشرين أول/ أكتوبر 2017، وأخيرا خسر مدن عانة وراوة والقائم غربي، في محافظة الأنبار على الحدود السورية، بحلول تشرين ثاني/ نوفمبر 2017. كما فقد التنظيم المدن والبلدات الرئيسية التي كان يسيطر عليها في سوريا، حيث خسر عاصمته السورية، مدينة الرقة، في تشرين أول/ أكتوبر 2017، وخسر التنظيم مدينة دير الزور ومدينة البوكمال الحدودية في تشرين ثاني/ نوفمبر 2017.. وبهذا عاد التنظيم للعمل كمنظمة وليس دولة، كما كانت نشأته الأولى، وتحول من نمط الحروب التقليدية إلى نمط حروب العصابات.

 

التحولات الكبيرة التي طالت "تنظيم الدولة الإسلامية"، بغياب "الدولة" وعودته للعمل كـ"منظمة"، تشير إلى أن هزيمة التنظيم الكاملة لا تزال بعيدة المنال


إن التحولات الكبيرة التي طالت "تنظيم الدولة الإسلامية"، بغياب "الدولة" وعودته للعمل كـ"منظمة"، تشير إلى أن هزيمة التنظيم الكاملة لا تزال بعيدة المنال، ذلك أن تنظيم "الدولة الإسلامية" سوف يعمل على استغلال واستثمار حالة عدم الاستقرار، والخلافات والانشقاقات والفراغات المستقبلية في العراق وسوريا، كما فعل سابقاً بين العامَين 2009 و2012، عندما تعرض لهزيمة تكتيكية إبان حقبة تنظيم "دولة العراق الإسلامية"، وعاد مرة أخرى أشد قوة في نيسان/ إبريل 2013 باسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام".

كان واضحا منذ بداية حرب المدن الكلاسيكية أن تنظيم الدولة سوف يتحول إلى حروب الاستنزاف. فقد حسم التنظيم الدولة خياراته الاستراتيجية العسكرية بعد نهاية مشروعه السياسي كـ"دولة" مفترضة ومفروضة؛ تتوافر على هياكل للسلطة والحكم، وتسيطر مكانيا على مناطق مدينية حضرية رئيسة، كالموصل والرقة، ويستند في عسكريته إلى منظق الحروب النظامية الكلاسيكية، ويفرض على مناطق سيطرته منظومته الحاكمة.. بأنه سيعمد إلى تغيير استراتيجيته العسكرية باتجاه حرب العصابات، حيث تتبدل أولوياته باتجاه الحفاظ على وجوده كمنظمة تتوافر على إيديولوجبة عقدية وهياكل تنظيمية ومصادر تمويلية، يستند بصورة أساسية إلى منطق حرب العصابات وتكتيكات الاستنزاف في المناطق الأكثر صعوبة في العمق الصحراوي، فضلا عن تعزيز مفارزه الأمنية وخلاياه وشبكاته المنتشرة في المدن.

 

كان واضحا منذ بداية حرب المدن الكلاسيكية أن تنظيم الدولة سوف يتحول إلى حروب الاستنزاف

في هذا السياق، شهد عام 2017 عملية إعادة تموضع للجهادية، بشقيها تنظيم الدولة والقاعدة، نتيجة الضغوطات العسكرية والأمنية التي تتعرض لها هذه الحركات في مختلف مناطق انتشارها، وخصوصاً مركز ثقلها في العراق وسوريا، من جهة، ونتيجة الخلافات التي عصفت بالحركات الجهادية حول ترتيب أولوياتها، سواء الخلافات التي ظهرت بين القاعدة وتنظيم الدولة أو داخل بنية وهياكل هذه التنظيمات. فتنظيم الدولة الإسلامية شهد صراعات عميقة حول أيديولوجيته الفكرية وأولوياته الاستراتيجية، كما برزت الخلافات داخل تنظيم القاعدة، وخصوصاً مع انفصال جبهة النصرة، ثم الصدامات مع ممثلي القاعدة المُعولَمين داخل سوريا.

الضغوطات العسكرية التي تعرضت لها الجهادية حملتها على التكيّف وإعادة الهيكلة، ولم ينفذ تنظيم الدولة هجمات خارجية منسقة، بينما تنامت ظاهرة "الذئاب المنفردة". أما تنظيم القاعدة، فلم ينفذ أي عمليات خارجية في أوروبا وأمريكا، وكانت أولوياته تتمثل في تثبيت وجوده في شبه القارة الهندية، وإعادة التموضع في سوريا واليمن وجنوبي الصحراء والساحل وليبيا. وقد يتبدل المشهد نسبياً عام 2018، فسوف تتصاعد محاولات تنفيذ العمليات الخارجية، وخصوصاً من قِبل تنظيم الدولة، الأمر الذي يشير إلى تحولات في بنية الجهادية ، فعلى خلاف الأسس الإيديولوجية والاستراتيجية لتنظيم القاعدة، الذي ترتكز أولوياته على العدو البعيد، فإنه يتجه للحفاظ على مناطق نفوذه، ومحاولة توسيع نطاق انتشاره وسيطرته المحلية. فالفرع الأكثر نشاطاً ونمواً في اليمن، والذي قاد العمليات الخارجية خلال السنوات الأخيرة، منشغل بتكوين تحالفات محلية وإعادة نطاق سيطرته. وفي سوريا، تخلت جبهة الجولاني عن الاستهداف الخارجي وفكت ارتباطاتها بالقاعدة.. والمكون الجديد للقاعدة في سوريا منشغل بتأسيس هياكله، بينما القيادة المركزية للقاعدة بزعامة الظواهري؛ منشغلة بإعادة هيكلة العلاقة مع حركة طالبان، وهي غير ملتزمة بتنفيذ هجمات خارجية.

 

شهد عام 2017 عملية إعادة تموضع للجهادية، بشقيها تنظيم الدولة والقاعدة، نتيجة الضغوطات العسكرية والأمنية التي تتعرض لها هذه الحركات في مختلف مناطق انتشارها


إذا كان العام الماضي مثل خسارة الجهادية لأماكن السيطرة الحضرية، فإنه كذلك عام امتصاص الهجمات والصمود، بينما من المنتظر أن يشكل العام الحالي نقطة تحول بإعادة الهيكلة للجهادية العالمية. وسوف نشهد هجمات خارجية منفردة، وربما نشهد مع منتصف العام القادم بعض الهجمات المنسقة، ولذلك تعمل الولايات المتحدة وروسيا والدول الأوروبية على نهج الإبقاء على تشديد الضغط على الحركات الجهادية، وعدم السماح لها بالتقاط الأنفاس وتوجيه ضربات في الخارج. لكن ذلك لن يمنع من هجمات "الذئاب المنفردة"، وفي العالم العربي الذي يتجه إلى مزيد من الانسداد السياسي والتردي الاقتصادي، وينزلق ببطء، ولكن بثبات، من العجز إلى الفشل، فسوف تتنامى الهجمات الجهادية الانتقامية.

 

إجماع على أن الأسباب والشروط والظروف الموضوعية التي أدت إلى عودة الجهادية العالمية عموما، وتنظيم الدولة خصوصا، لا تزال ذاتها لم تتغير، بل تفاقمت الأزمات بطرائق عديد


ثمة حالة من الإجماع على أن الأسباب والشروط والظروف الموضوعية التي أدت إلى عودة الجهادية العالمية عموما، وتنظيم الدولة خصوصا، لا تزال ذاتها لم تتغير، بل تفاقمت الأزمات بطرائق عديدة، فقد ازدهر تنظيم الدولة وتنامى بصورة لافتة عام 2013، في ظل عدة عوامل أساسية، وهي: انسحاب الولايات المتحدة من العراق في كانون الأوّل/ ديسمبر 2011، وصعود النفوذ الشيعي بهيمنة إيرانية، وتفاقم الأزمة السنية، وضعف قوات الجيش والأمن العراقية، وبروز الحركات الاحتجاجية العربية السلمية، وقمعها وعسكرتها في سوريا، واختلاف الأجندة الدولية والإقليمية.

خلاصة القول؛ أن تنظيم الدولة مستعد لتحمل خسارة المناطق الحضرية الهامة في العراق وسوريا. ولا يزال تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر على مناطق في كلا الدولتين، وسوف يستمر بالحفاظ على قدرته باختراق المجتمعات العربية السنية الواقعة تحت الحصار، حتى بعد سقوط أكبر قواعده ودفاعاته. وسوف ينشط تنظيم الدولة بتصدير رؤيته وأيديولوجيته وتكتيكاته، وتشديده على مسألة الخلافة، وتفعيل فروعه الخارجية، وتحويل أيديولوجيته حول الخلافة من مجتمع مادي إلى مجتمع افتراضي منظم؛ يعمل على نقل أهداف الدولة الإسلامية بشكل مستقل عن المنظمة. وبهذا، فإن هزيمة تنظيم الدولة في سوريا والعراق قد لا تكون كافية لهزيمة تنظيم الدولة العالمي، بل تؤشر الهزائم في حروب المدن إلى تحول طبيعة الحروب؛ من نسق الحرب الكلاسيكية إلى منطق حروب الاستنزاف.