صحافة دولية

أكاديمية فلسطينية: قرار ترامب الأخير يكرس قرنا من الاحتلال

النابلسي: يبدو أن قادة العالم غير قادرين على فهم ما يحصل في فلسطين- أرشيفية

نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للأكاديمية كرمة النابلسي، تعلق فيه على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

 

وتقول النابلسي: "قبل مئة عام، وفي تاريخ 11 كانون الأول/ ديسمبر احتل الجيش البريطاني القدس، وفي الوقت الذي زحف فيه الجنرال اللنبي وجيشه عبر باب الخليل، مطلقا بذلك قرنا من احتلال المستوطنين في فلسطين، بشر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج باحتلال المدينة على أنه (هدية عيد الميلاد للشعب البريطاني)".

 

وتضيف الكاتبة: "في غضون أشهر قليلة تمر بنا ذكرى أخرى، هي مرور سبعين عاما على النكبة الفلسطينية عام 1948، التي نتج عنها التدمير الكارثي للدولة الفلسطينية، والسلب القسري لممتلكات معظم سكانها، وتحويلهم إلى لاجئين محرومين، واحتلال أرضهم وضمها والسيطرة عليها، وفرض الأحكام العرفية على من تمكن من البقاء". 

 

وتتابع النابلسي في مقالها، الذي ترجمته "عربي21"، قائلة: "ثم جاء قرار الرئيس الأمريكي للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ليختم قرنا من هذه الأحداث من وعد بلفور في تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، إلى خطة التقسيم عام 1927، إلى النكبة عام 1948، ثم إلى النكسة عام 1967، وما نتج عنها من ضم للقدس واحتلال لبقية فلسطين وتشريد أعداد كبيرة من الفلسطينيين، بما في ذلك من القدس الشرقية والغربية، وقيام الغزاة بتدمير أحياء تاريخية بكاملها في المدينة".

 

وتعلق الكاتبة قائلة: "يمكن قراءة إعلان ترامب بسهولة كأي قرار آخر يضاف إلى سلسلة من السياسات الفوضوية المدمرة، وربما تم تصميمه لصرف الانتباه عن مشكلات شخصية مع القانون، وينظر إليه على أنه تصرف من قوة عظمى متقلبة، تدعم فيه الاحتلال العسكري غير الشرعي و(الحصول على الأراضي بالقوة)، و(هو ما تمنعه وترفضه الأمم المتحدة والقانون الدولي). وينظر إليه مع قائمة طويلة من التخبطات المحلية والدولية".  

 

وتستدرك النابلسي بأن "هذا التحليل يغطي على ما يحصل كل يوم في فلسطين المحتلة، ويخبئ ماذا سيحصل لاحقا، ما لم تقم الحكومات والبرلمانات والمؤسسات والاتحادات، والأهم المواطنين، باتخاذ الإجراءات لمقاومتها فعليا".

 

وتقول الأكاديمية: "يبدو أن قادة العالم غير قادرين على فهم ما يحصل في فلسطين، ولذلك فإن ما يعرفونه عن أسباب الصراع وطبيعته، مضافا إلى (الحلول التوافقية) التي يطرحونها تثبت فشلها، ولذلك يجب فهم هذا القرن من الأحداث على أنه سلسلة تشكل جزءا من عملية نشطة لم تتوقف بعد، ولم تصل إلى أهدافها، فكيف تبدو بنيتها لمن يعانون منها يوما بعد يوم؟".

 

وتشير النابلسي إلى أن "العالم باتريك وولف تتبع تاريخ المشاريع الاستعمارية الاستيطانية في مختلف القارات، وأظهر لنا أن الأحداث في فلسطين على مدى المئة سنة الماضية هي تكثيف (وليس ابتعادا عن) الاستعمار الاستيطاني، بالإضافة إلى أنه حدد طبيعته الثنائية، وعرف الظاهرة -من قومي الإنكا والمايا (حضارات وجدت في أمريكا قبل وصول الأوروبيين) إلى الشعوب الأصلية في أفريقيا وأمريكا والشرق الأوسط- على أن لها جوانب سلبية وإيجابية، السلبية في أن الاستعمار الاستيطاني يسعى لتذويب المجتمعات الأصلية والإيجابية بإقامة مجتمع استعماري جديد على الأراضي المسلوبة: (يأتي المستعمرون للبقاء: الغزو هو هيكل وليس حدثا)".

 

وتبين الكاتبة أنه "بعد أن دخل البريطانيون القدس عام 1917، وأعلنوا الحكم العسكري فإنهم حولوا فلسطين إلى إدارة أراضي عدو محتلة، وبعد إعلان الحكم العسكري على المدينة وعد اللنبي بحماية الأماكن المقدسة للأديان الثلاثة، لكن ماذا عن الناس؟ لقد قام اللنبي بتقسيم فلسطين إلى 4 مناطق، القدس ويافا والمجدل وبئر السبع، وعين حاكما عسكريا على كل منها، وبدأت عملية الاستعمار الاستيطاني بشكل متسارع". 

 

وتفيد النابلسي بأنه "عندما تم احتلال فلسطين عسكريا كانت نسبة الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين 90%، وهناك 7 – 10% من اليهود الفلسطينيين والعرب والمستوطنين الأوروبيين الجدد، وبحلول 14 آيار/ مايو 1948 كانت عملية الطرد والتطهير العرقي من الفلسطينيين قد بدأت، فخلال 30 عاما من الاحتلال قام الجيش البريطاني بهندسة تغيير جذري للسكان من خلال إدخال أعداد كبيرة من المستوطنين الأوروبيين ضد رغبة المواطنين الأصليين، بالإضافة إلى أنهم قمعوا الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 – 1939، مدمرين أي إمكانية لمقاومة ما هو آت".

 

وتقول الأكاديمية إنه "لدى فهم حلقة واحدة كجزء من بنية مستمرة من الاستعمار الاستيطاني، فإن عمليات الطرد اليومية غير المرئية للفلسطينيين من بيوتهم تكتسب أهميتها المدمرة".

 

وتضيف النابلسي: "ما هو محجوب كذلك هو أن القوى هي التي كانت تسير توسيع المستوطنات غير الشرعية على الأراضي الفلسطينية، فدون وضعها في إطار الاستعمار الاستيطاني لا يمكن فهم فكرة مؤسس الصهيونية ثيودور هيرتزل حول إبعاد المواطنين العرب خفية بـ(التدريج وبحذر)، وفي القدس فإن هذه بالضبط هي الطريقة المتبعة للتطهير العرقي اليوم".

 

وتجد الكاتبة أن "السياسة الأمريكية الجديدة في القدس لا تتعلق بالاحتلال، ولا الضم، ولا سيادة دين على آخر، ولذلك يجب إعادة (التوازن)، ولا حل الدولتين، أو فشل اتفاقية أوسلو، ولا موقع السفارة، ولا تقسيم القدس".

 

وتنوه النابلسي إلى أنها "لا تتعلق حتى بنظرية مؤامرة حيكت ضد الشعب الفلسطيني حتى أصبحت كأنها مسلسل تلفزيوني تُرك الفلسطينيون وحدهم ليعيشوا فصوله: حيث أعطي زوج ابنة الرئيس الأمريكي، الذي دعم بفاعلية أنشطة الاستيطان الإسرائيلية اليمينية، سلطة كاملة ليفبرك (عملية سلام) مع ولي للعهد قام من قريب بسجن أقاربه".

 

وتعلق الكاتبة قائلة إنه "بحسب هذه النظرة البائسة، فإنه يتم اقتراح قرية أبو ديس، خارج مدينة القدس، عاصمة لدولة فلسطينية مجزأة، لم تقم بعد، خاصة أن شكلها (وشكل العملية السلمية التي تقودها الولايات المتحدة) يعتمد تماما على ما تأذن به إسرائيل، وهذا ما يسمى بلغة (عملية السلام)، أي حل يتم الاتفاق عليه (من الطرفين)، من خلال (تسوية بالتفاوض بين الطرفين)".

 

وتقول النابلسي: "دائما ما يصاحب الاستعمار مقاومة ضده، ضد المشروع القائم للتخلص من الشعب الأصلي، والاستيلاء على أراضيهم، وسلبهم ممتلكاتهم، وتفريقهم لئلا يستطيعوا الاتحاد للمقاومة، أهداف الفلسطينيين هي أهداف أي شعب محتل عبر التاريخ، بكل بساطة عليهم التوحد للنضال لتحرير أرضهم والعودة إليها ولاستعادة حقوقهم الإنسانية الشرعية التي سلبوها بالقوة، وهذه مبادئ تشتمل عليها قرون من الاتفاقيات الدولية والمواثيق والقرارات والعدالة الطبيعية".

 

وتبين الأكاديمية أن "أمريكا ظلت تمنع المحاولات الفلسطينية كلها لتحقيق هذه الوحدة الوطنية لسنوات، حيث رفضت أن تؤدي بعض الأحزاب دورها الشرعي في المشاركة في تمثيل الشعب الفلسطيني، وحق الفلسطينيين الديمقراطي لتحديد طريقهم سيسمح للجيل الشاب -المشتت بين مخيمات اللاجئين والسجون داخل فلسطين- ليأخذ مكانه في النضال الوطني لأجل الحرية، وفي الوقت الذي تقوم فيه أمريكا بمساعدة المستعمر وتقيد أيدينا".

 

وتختم النابلسي مقالها بالقول إن "القوى الاستعمارية الأوروبية السابقة، بمن فيها بريطانيا، تعلن في العصر الحاضر أنها تدرك إرثها الاستعماري، وتشجب قرون الاستعباد والاستغلال البشع في أفريقيا وآسيا، ولذلك يجب على القادة الأوروبيين أولا أن يسموا العملية المستمرة التي نصبوها في بلدنا، ويقفوا معنا لنتحد ونهزمها".