كتاب عربي 21

عيد ميلاد العقرب

1300x600

(1)
كان الناس في الأزمنة السحيقة يعتقدون أن كل مولود يأتي إلى الدنيا يصاحبه قرينان، أحدهما طيب يحرسه بأمر من الإله الذي يحمل نفس تاريخ الميلاد، والثاني "شرير" يحاول القضاء عليه في ذكرى مولده من كل عام. واعتقد الناس في اليونان وروما أن اجتماع الناس بصخب وضجيج حول الشخص في ذكرى ميلاده؛ يمنع القرين الشرير من إيذاء المولود. ومن هنا نشأت فكرة الاحتفال بعيد الميلاد التي انتقلت من الفراعنة والقياصرة إلى سائر الناس، خاصة بعد وضع التقاويم، وسهولة تعرف الناس على تواريخ ميلادهم.

(2)
يمكنك أن تسخر من هذه المعلومات باعتبارها خرافة سادت لدى الفراعنة والإغريق، لكن لا تتمادى في السخرية؛ لأننا جميعا لانزال نعتقد في ذلك ونمارسه بطرق وأفكار مختلفة قليلاً. فربما لا يكون لدينا آلهة متعددة كآلهة الأوليمب، وآلهة الوثنيين في الزمن القديم، لكن التعدد نفسه انتقل من الدين إلى الفكر والسياسة، وبالتالي فإن مفهوم الآلهة يمكن تسميته "الآباء" أو "المُثل العليا"، كما أن المعتقدات لم تعد بالضرورة هي الأديان، لكنها الأفكار والتوجهات. أما مسألة تقسيم المواليد وتحديد صفاتهم حسب ارتباطهم بتواريخ تخص الآلهة المتعددة، فيمكنك فهمها من خلال اعتقاد أعداد كبيرة من الناس في فكرة "الأبراج".

(3)
لا أريد أن أسرح بكم في تهويمات ميثيولوجية ونظرية غامضة، لذلك سأضرب لكم مثلاً بيوم 19 تشرين الثاني/ نوفمبر، ولنعتبر أن الإله الحارس لهذا اليوم هو "العقرب"، حسب تصنيف الشائع للأبراج الفلكية. وبما أننا نعرف أن عبد الفتاح السيسي من مواليد هذا اليوم، فيجب أن نحتفل ونهلل بصخب لمساعدته على النجاة من أهل الشر، وها أنا بكل روح رياضية خرافية أبادره بالتهنئة: كل سنة وانت عقرب يا عبده.

(4)
مواصفات برج العقرب، كما تقول المعلومات المتداولة على الشبكة العنكبوتية (أرجو البحث على "جوحل" للمزيد، وأرجو التأكد أن ما أكتبه ليس به أي تحريف اللهم في بعض الألفاظ التي لا تخرج عن المعنى، بل تربطه بالحاضر لا أكثر، وللأمانة سأضعها بين أقواس)، فالعقرب "برج مائي" (هذا يتماشى مع رجل ظل 10 سنوات لا يحتفظ في ثلاجته إلا بالماء). مولود العقرب من الرجال لديه أحاسيس غريبة وقوة فولاذية، فهو شديد القسوة والتعقيد، وشديد الحنان (يقتل ويسجن ويحنو). لديه قدرة كبيرة على الحب، والتضحية، والصراحة، والإخلاص، والخيانة أيضا. يحب السيطرة والتملك.. مستبد برأيه، ويشعر بالغيرة والشكوك. يريد أن يكون محط الأنظار، ويعيش كأن حياته معركة لا بد من الانتصار فيها مهما كانت الوسائل. له منطق خاص لا يفهمه كثيرون، وكتوم وغامض. يحب التعلم، ولديه حاسة غريبة في معرفة الخفايا والنوايا (طبيب للفلاسفة يعني). متعجرف انفعالي عنيد لا يعتذر ولا يعترف بأخطائه، ولا يترك إساءة صغيرة كانت أم كبيرة تمر بسلام. قاس في أحكامه وفي ردود فعله، معروف عنه شدة تعلقه بعائلته وأولاده، وكل شيء بالنسبة له محسوب.

(5)
كما قلت، فإن اليونانيين في أول الأمر لم يحتفلوا بأعياد ميلادهم كأفراد، بل كانوا يحتفلون كل شهر بعيد ميلاد إلهة القمر "آرتيميس"، يصنعون لها كعكة مستديرة تشبهها، يغرسون فيها الشموع لتماثل القمر الإله في استدارته وضيائه. وهكذا فإن عيد الميلاد يبدو وكأنه طقس يتمثل فيه الفرد صفات الإله الذي يعتقد فيه ويؤمن بأنه حارسه. فهل يمكن ببعض الاستظراف الاحتفالي أو الاعتقاد بالميثيولوجيا المستمرة من أيام اليونان إلى عصرنا؛ أن نبحث عن الأمثلة التي يسعى مولود 19 نوفمبر لتمثلها؟!

 

عندما حطت طائرة السادات بين أنياب إسرائيل في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، كان الملازم عبد الفتاح السيسي عريساً جديداً بعد سبعة أشهر من تخرجه


(6)
عندما حطت طائرة السادات بين أنياب إسرائيل في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، كان الملازم عبد الفتاح السيسي عريساً جديداً يؤسس بيت الزوجية ويبدأ حياته المستقلة، بعد سبعة أشهر من تخرجه ضمن 960 طالباً في الدفعة رقم 69 للكلية الحربية. لم يتحدث السيسي عن شعوره كضابط مشاة في ذلك اليوم الذي يصادف عيد ميلاده الـ23.. والرقم بالمناسبة كبير، ويشير إلى تعثر الملازم لمدة عامين على الأقل في سنوات الدراسة، لم يتحدث عنهما أيضا، كما لم يتحدث عن شعوره في اليوم التالي، وهو يستمع إلى خطاب السادات في الكنيست الإسرائيلي، فقد كبر الملازم وترقى تحت مظلة "السلام الانبطاحي" حتى صار القائد العام، ثم القائد الأعلى لجيشٍ لم يحارب إسرائيل (العدو) منذ ذلك اليوم الذي صادف عيد ميلاده الأول بعد التخرج. بل إن الملازم، ابن عطفة البرقوقية، عندما صار "رئيساً"؛ لم يتمثل عبد الناصر الذي سمع عن جيرته في السكن بحي الخرنفش، بل تمثل أحد "آلهته"، وأعلن أنه مستعد للذهاب إلى آخر العالم.. "بما في ذلك أسيوط ذاتها"، حيث أعلن من هناك مبادرته "الصريحة/ الكسيحة" لتوسل "السلام الدافئ" مع الأصدقاء الإسرائيليين!

(7)
هكذا كانت "تورتة الاحتفال" في أسيوط؛ تتقرب وتتمثل "إله السلام الدافئ مع إسرائيل" الذي ولد في نهار مشؤوم يوم 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، وفرض على مصر "وصاياه المسمومة" لمصالحة العدو، والتطبيع معه والحنو عليه، حتى لو ضربنا وضرب إخوتنا على الخد الأيمن والأيسر وتحت الحزام. أما تورتة الاحتفال في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، فكانت تتقرب وتتبع خُطا "إله الدم.. قاتل الثوار في شارع محمد محمود"، فقد انقلب "إله الحرب" ليواجه الداخل بدلا من الخارج. وفي العام الذي يليه، كانت تورتة الاحتفال قربانا لمناجاة "إله الطموح" الذي أهدى "الفريق أول" حصان "جبهة الإنقاذ" في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، ليساعده في تحقيق "نبوءة الأميجا"...

(8)
الضرورة تقتضي أن أتوقف عند هذا القدر من صفات "العقرب"، وأتوقف أيضا عن تتبع قرابينه لآلهته المتعددة في ذكرى عيد الميلاد. وأدعوكم جميعا للترحم على أرواح كل شهداء الحروب التسعة مع إسرائيل، وعلى أرواح 41 شهيداً لا زالوا ينتظرون حصاد الثورة التي ماتوا من أجلها في "محمد محمود".