مقالات مختارة

تعتيم ماسبيرو

عماد الدين حسين
1300x600
1300x600
من المسؤول عن كارثة إظلام مبنى التلفزيون المصري ماسبيرو  في الساعة الخامسة من مساء السبت الماضي للمرة الأولى منذ إنشاء التلفزيون عام 1960؟!

هل هناك احتمال لوجود عمل تخريبي؟!

هذا احتمال ضعيف جدا، لكنه غير مستبعد، وحتى في حالة وجوده فما كان له أن ينجح لولا الإهمال وغياب الصيانة وعدم الكفاءة.

إذن من الذى يتحمل المسؤولية؟

هو حسنى مبارك ونظامه وميراثه وسياساته خصوصا صفوت الشريف الذى حول هذا المبنى إلى أكبر جهاز مترهل ربما في العالم أجمع، حينما تم اعتماد سياسة تعيين كل من يريد النظام محاباته ومجاملته.

هل معنى ذلك أن المسؤولين الحاليين أبرياء من المسؤولية فيما حدث؟

بالطبع لا، لأننا مازلنا نسير على الكتالوج القديم ذاته لأسباب متعددة، منها الخوف من اتخاذ قرار شجاع وحقيقي بإصلاح هذا المبنى، ما قد يؤدى لانفجار تبدو الحكومة غير راغبة في تحمل مسؤولياته الآن.

مساء السبت استمعت إلى شهادات بعض من كانوا موجودين أثناء انقطاع التيار. أحدهم قال إن التيار الرئيسي القادم عبر خطين انقطع، ولكن بصورة غير كاملة، وبالتالي، لم يعمل المولد الاحتياطي فورا، وعندما اكتمل انقطاع التيار، وحاول المهندسون الانتقال إلى المولد الاحتياطي، حدث تحميل زائد مصحوبا بعطل مفاجئ قاد إلى هذه الكارثة التي استمرت لأربعين دقيقة.

يضيف هذا الرجل ــ الذى تواجد فى غرفة التحكم الإلكتروني تحت المبنى ــ أن سبب المشكلة الجوهري هو غياب الصيانة الحقيقية، مصحوبا بتهالك العديد من المعدات والأجهزة، مضافا إليه بعض التهاون والتراخي.

هذا المسؤول قال إنه رأى بنفسه قيادات التلفزيون تسارع بالنزول من الأدوار العليا جدا إلى هذه الغرفة عبر سلالم المبنى بعد تعطل المصاعد.

المذيعان في الفضائية المصرية منة الشرقاوي وتامر ناصر قالا لي إنهما ومن خلال معرفتهما بعصام الأمير رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون يجزمان بأنه شخص شجاع ويتحمل المسؤولية.

أعرف عصام الأمير وكذلك مجدى لاشين رئيس التلفزيون منذ عام 1982، وأعرف رغبتهما في النجاح وتجاوز الفترة الحرجة، لكن الحقيقة أن مأساة ماسبيرو أكبر بكثير من نوايا كل المسؤولين بما فيهم الحكومة نفسها وكل وزرائها.

هذا المبنى به كل عيوب ومشكلات المجتمع المصري، مضافا إليها مأساته الخاصة، المتمثلة في الترهل وغياب التدريب والتأهيل وقلة الابتكار وتربص بعض الفضائيات الخاصة.

أحد الإداريين -الذين يعرفون هذا المبنى جيدا- قال لي إن المكان ينقصه «الحزم والعين الحمرا» خصوصا مع السائقين الذين كونوا إمبراطورية لا أحد يستطيع أن يلمسها، نهاية بآلاف الموظفين الذين يتقاضون أجورهم دون أن يذهبوا للمكان منذ سنوات. يعتقد هذا الإداري أن المبنى يحتاج إلى «هزة عنيفة» وإعادة هيكلة لا تبقى إلا الكفء والمؤهل، والباقي يتم تسكينه كموظف في أي جهة حكومية ذات صلة حتى يبلغ سن المعاش.

لكن البداية الحقيقية أن تقرر الحكومة والدولة ما هي رؤيتها لهذا المكان، وماذا نريد منه، وما هي الإمكانيات المتاحة، وما هي العيوب والثغرات، بعدها يمكن البدء في الإصلاح، شرط أن تتوافر إرادة ثورية حقيقية خلاصتها أن تعطى الحكومة هذا المبنى الاستقلالية في الإدارة، وبعض الحرية في المحتوى، حتى ينافس فعلا بقية القنوات الخاصة، ويكون إعلاما قوميا بحق يؤدى دوره بمهنية أولا، ويدافع عن هموم ومشكلات كل المجتمع.

هناك نقاط ضوء كثيرة في هذا المبنى، وهناك كوادر حقيقية ذات كفاءة، لكنها تضيع للأسف وسط غابة العمل بعقلية الموظفين، أو الخوف أحيانا من إغضاب الدولة، والنتيجة أن البعض يتساءل أحيانا عن إمكانية ماسبيرو على الاستمرار بهذه الطريقة.



(نقلا عن صحيفة الشروق المصرية)
التعليقات (0)