كتاب عربي 21

في الإرهاب النقابي

محمد هنيد
1300x600
1300x600
"الدولة التونسية" ـ إن صحت التسمية بعد سنوات القمع والنهب وتجريف الوعي ـ تقع اليوم فريسة كل أنواع الإرهاب بتجلياته المختلفة، من الإرهاب الأفقي إلى الإرهاب العمودي، ومن الإرهاب الهندسي إلى الإرهاب الوظيفي، ومن إرهاب الدولة إلى إرهاب الجماعات المسلحة، ومن إرهاب الاعلام إلى الارهاب الاجتماعي الذي تقوده العصابات النقابية المتلحفة بعرق العمال ودماء الشغالين والمتاجرة بتاريخ الشهيد الرمز "فرحات حشاد". 

اليوم لم يبق قطاع اقتصادي دون أن ينجز إضرابا أو اعتصاما أو يشعل حريقا اجتماعيا هنا أو هناك في خطة واضحة ومرحلية لتركيع الاقتصاد وللقضاء على ما تبقى من البنية الوطنية للدولة ولمواردها المالية. بالأمس قادت نقابات التعليم سلسلة من الاضرابات دمّرت سنة دراسية كاملة واضعة مستقبل أبناء الفقراء والمهمشين بين أنياب العصابات النقابية المتاجرة بمطالب مادية رخيصة لإطار تربوي مكّن التعليم التونسي من بلوغ أسفل المراتب إفريقيا بعد أن كان لعقود في قمة سلم التعليم عربيا وإفريقيا.

أبناء الوزراء والطبقات الغنية من البورجوازية التونسية التي كدست الثروات عبر كل وسائل النهب والسطو خلال عقود الاستبداد، لا يدرسون في المدارس الحكومية بل يتوجهون نحو التعليم الخاص الضامن لجودة تعليمية كافية ولحظوظ أوفر في التوجيه الجامعي وفي سوق الشغل. 

قطاع الصحة قاد بالأمس إضرابات واسعة أدت بالخدمات الصحية الأساسية إلى الشلل التام ووقفت طوابير المرضى من الفقراء والمهمشين على أعتاب المستشفيات العمومية البائسة يطلبون رحمة الممرضين والأطباء الذين نجحوا هم الآخرون في تدمير الخدمات العمومية من أجل الدفع بالمرضى والمساكين نحو عياداتهم الخاصة، فجمعوا ثروات طائلة لا تشملها الجباية ولا الضرائب. قضاء "بن علي" الفاسد وأحد أركان حقبة الاستبداد، لم يتردد هو الآخر في شن إضراب قطاعي بالأمس دافعا بمطالبه إلى الواجهة، أسوة بالقطاعات الانتهازية الأخرى التي لا ترى في ميزانية الدولة أي في أموال الشعب الفقير إلا غنيمة لا بد من اقتطاع أكبر نصيب ممكن منها، في حين لم يحاكم قناص واحد من قناصي النظام أو فرد من أفراد البارونات الجاثمة على الثروات الوطنية. 

"بوليس بن علي" وعصاه القمعية الضاربة لم يتردد في تشكيل نقاباته المسلحة هي الأخرى، لا من أجل الدفاع عن منخرطيها وهو حق قانوني في حال السلم الاجتماعي، بل من أجل تسهيل الانقلاب على الثورة ومن أجل إعادة جلادي الشعب وسفاحي فترة النظام القمعي في صورة "مجلس حكماء"، ومن أجل بيع الأمن القومي للعصابات العالمية القابضة على مصائر الشعوب وعلى أحلام أبنائها. بل إنّ من ممثلي النقابات البوليسية المسلحة من أشهر مسدسه في وسائل الاعلام مهددا الشعب التونسي بالسلاح في حال تعرض مصالح العصابة التي ترعاه إلى المحاسبة أو القصاص، حتى إن القضاء العسكري الذي نجح في سجن ابن شهيد المؤسسة العسكرية الطاهر العياري عجز عن إيقاف "النقابي الإرهابي" لأنه فوق القانون وتقف وراءه أشرس أنواع العصابات الدولية. هذه النقابات المسلحة تمكنت من الانسلاخ عن النقابة الأم (أسست في شباط/ فبراير 2011) ممثلة في "النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي" التي كانت تعمل على تشكيل بنية حقيقة لأمن جمهوري جديد يفصل الأمنيّ عن السياسيّ وعن الحزبي، قبل أن تنسلخ عنها النقابات الجديدة مشكلة أذرعا مسلحة لأحزاب سياسية مرتبطة وثيق الارتباط ببنية الدولة العميقة وبمصالح القوى الدولية اللاعبة في منطقة شمال أفريقيا. 

لكن في الغرف المظلمة تُمضَى سرا وعلنا كل أنواع القروض مع المؤسسات البنكية العالمية الأخطر على اقتصاد الدول النامية، وبمباركة أو صمت أخرس من مجلس نواب الشعب الذي سكت عن كل الجرائم التي ترتكب في حق الثورة والشهداء، وفي حق أجيال الغد من أطفال تونس وبناتها. لقد تحول المجلس بمباركة من يُسمّون "الإسلاميين" إلى شاهد زور على أكبر عملية تزييف ثوري يعرفها تاريخ تونس الحديث.   

إضرابات في سلك التعليم وإضرابات في قطاع الصحة وأخرى في  قطاع القضاء وإضرابات للأمنيين، ودفع بالدولة نحو الشلل التام ونحو الديون التي ستكبل جيلا كاملا من أبناء تونس الذين لا يزالون الآن على مقاعد الدراسة. هذا التنسيق العام في ضرب العمل وقيمية العمل وفي تهديد الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة هو في نظر الكثير من التونسيين تعبير عن " أعلى درجات الإرهاب" الذي لا يختلف عن إرهاب المجموعات الغامضة تمويلا وتوجيها والمتحصنة في "جبال الشعانبي" من مرتفعات الشمال الغربي. هذا الإرهاب النقابي هو الذي دفع نشطاء المواقع الاجتماعية إلى إطلاق لقب "داعش" على ما يسمونه "دولة الاتحاد العام للشغل". 

نقول دائما إن أعظم إنجازات الربيع العربي هو ما كشفه من وقائع ومن أدوار ما كانت تخطر على بال بشر، ومن أخطر ما كشفة زيف النماذج النضالية القديمة التي أثبتت رياح الربيع أنها كانت جزءا لا ينفصل عن نسق الاستبداد نفسه. الوعي بهذا الزيف مكسب جليل للحركة الثورية القادمة التي لن ترتكب حماقات الموجة الأولى بإذن الله.
التعليقات (0)