أفكَار

مثقف بارز يتنبأ بازدهار مفهوم "الإسلام السياسي" بالسودان

مفكر سوداني: لا خوف على الحركة الإسلامية بعد زوال نظام البشير  (عربي21)
مفكر سوداني: لا خوف على الحركة الإسلامية بعد زوال نظام البشير (عربي21)

يقول إبراهيم محمد زين أحد كبار الأكاديميين المجددين في الحركة الإسلامية السودانية: "إن مصطلح الإسلام السياسي قد أُسيء تعريفه واستخدامه عن قصد".

ويرى محمد زين في حوار مع "عربي21"، وصف تجربة حكم الرئيس المعزول عمر البشير، باعتبارها تجربة كاملة للحركة الإسلامية، خطأ لا يقع فيه مؤرخ منصف ودقيق، مستبعدا انحسار التعريف الذي يراه للإسلام السياسي في المستقبل.

وقال: "إن مناخ الحريات وقيم الديمقراطية والتجديد، يهيء أفضل الأجواء للإحياء الإسلامي، وفيه تتضاءل ظواهر الفكر الداعشي التي نمت في عهد الرئيس البشير".


والدكتور ابراهيم محمد زين أستاذ مشارك حاليا في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وهو العميد السابق لمعهد الفكر والحضارة بالجامعة الإسلامية في ماليزيا، وصدر له كتاب بعنوان: "فلسفة العقاب من القرآن (مقارنة خاصة بأسفار موسى الخمسة)"، وكتاب آخر موسوم بـ "منهج الحوار وضوابطه"، فضلا عن العديد من الأوراق العلمية والدراسات المحكمة، والمشاركات في الندوات الأكاديمية الدولية.

تاليا الجزء الأول من المقابلة:

س ـ هل يمكن أن تدخل تجربة حكم البشير في تعريف مفهوم الإسلام السياسي؟


 ـ لا أجيب بصورة مباشرة، ولكن مصطلح الإسلام السياسي نفسه مُعقد، وأُسيء فهمه لأغراض أيديولوجية محددة، وحسب مطالعاتي لكتابات الراحل الدكتور حسن الترابي الذي قاد الحركة الإسلامية في السودان، فهو من أوائل من استخدموا هذا المفهوم لغرض التعريف بهذا الجانب الغائب عن الحياة، وتطبيق الإسلام في حياة الناس، والحركة التي قادها ودعا إليها كانت لإرجاع الإسلام إلى مفهومه الصحيح، بمعنى الإسلام العام، حاكما لحياة المجتمع في شكله السياسي، ولكن المصطلح عندما ترجم إلى اللغة الانجليزية استخدم بصورة سلبية، وليس بنفس المعنى الذي أراده الترابي، واعتبره الذين أستغلوه إسلاما مضادا للإسلام العام، وعلى أسوأ الحال، أشاروا إلى أن هذا المصطلح ابتكار إيديولوجي جديد، وهذا النوع من التسمية كان أيضا لهدف أيديولوجي للإساءة إلى مجموعة محددة تدافع عن الإسلام، وهذا اللبس أحدث سوء فهم مقصود.

 

الفكر الداعشي نما في عهد البشير ولكنه سيتضاءل مع مناخ الديموقراطية


س ـ ولكن تجربة عهد البشير الذي رفع شعارات إسلامية رسخت للمفهوم الذي تراه مجافيا للحقيقة؟


 ـ تجربة السودان ليست كلها شيئا واحدا.. من الخطأ أن لا نميز مراحل هذه التجربة، التي بدأت بانقلاب عسكري في حزيران (يونيو) 1989م على سلطة سياسية ديمقراطية بسبب محاولتها إقصاء الحركة الإسلامية من اللعبة السياسية دون وجه حق، بالطبع ذلك لا يعني بأن الانقلاب كان مبررا لكن نضعه في هذا الاطار، والقائمين على الحكم في عهد الرئيس البشير لم يكونوا فقط الحركة الإسلامية، ولكن كانت هنالك مكونات من الحركة السياسية بتكنوقراطها ومن أراد الالتحاق بهذه الحركة السياسة الجديدة، لم يكن في الفترة الأولى ذلك النظام ما يمكن أن نطلق عليه نظام الحركة الاسلامية، فقد تمرحلت الدولة بعد الانقلاب لأكثر من مرحلة.. السنوات الثلاث الأولى كانت مفتوحة للجميع، صحيح أن الإسلاميين كانوا يقبضون على مفاتيح الدولة من الخلف، ولكن لم تعلن حكومة الرئيس البشير في ذلك الوقت انها حكومة الاسلاميين، بعدها بدأت تظهر وهنا بدأت الانشقاقات الداخلية في المجموعة الحاكمة، وبدأت تخلق لها معسكرات ومراكز قوى في داخلها حتى ذهبت إلى مذكرة العشرة التي أطاحت بالامين العام للحركة الدكتور الترابي ثم انتهت إلى ما انتهت اليه في أبريل عام هذا العام، وفي هذه الفترة انقسمت الحركة الإسلامية بين السلطة القائمة وجزء أصبح خارجها في المعارضة أو الاعتزال..هذه الثلاثين سنة لا تمثل كلها وجود الحركة الإسلامية في السلطة.

 



س ـ نتحدث هنا عن المسؤولية الأخلاقية والفكرية، أعني الخلل الجوهري الذي تسبب في قيام ثورة ضد الإسلاميين برئاسة البشير وما مثلته لمشروع الإسلام السياسي؟


 ـ التغيير الذي حدث في نيسان (أبريل) 2019م، هو امتداد للتغييرات التي حدثت داخل نظام الإنقاذ منذ انقلاب 1989م، صحيح أن الحركة الإسلامية سيطرت على مفاصل الدولة، ولكن الدولة السودانية في عهد البشير كانت ما يمكن أن نسميه بتجارب ما بعد الاستعمار 1956م، والوقع أنه بدلا أن تسيطر عليها الحركة الإسلامية حدث العكس وسيطرت الدولة على الحركة، وفرضت منطقها، وصارت الحركة من حين إلى آخر هي الدولة، ولكن أول الثورات ضد هذه الدولة قام بها إسلاميون، والنظام الجديد الذي كان يتخلق بعد انقلاب حزيران (يونيو) 1989م أدى إلى انشقاقات داخل الحركة الإسلامية، وكثير منهم اعتقلوا مبكرا... رغم ذلك لا يمكن القول بعدم مسؤولية الحركة الإسلامية الأخلاقية وحتى التنفيذية في عهد البشير.

س ـ أين الخلل؟ هل تركز في التصورات الإسلامية للدولة؟ أم هي مجرد منازعات سياسية؟


 ـ يبدو أن الحركة الإسلامية لم يكن لديها مشروعات سياسية واضحة، كانت مشروعات تجريبية، ولم تدرس بصورة عميقة بنية دولة ما بعد الاستعمار، فقد استولت الحركة على السلطة ولم يكن لديها وضوح في الإجابة على سؤال؛ ثم ماذا بعد؟ لم يكن واضحا لدى ذهن قياداتها، ولم يكن المشروع الإسلامي نفسه، واضحا، من أجل الوعي بالدولة التي هو يريد أن يحولها، ولو اعتبرانا على أحسن الفروض تصور للدولة القطرية، هذه أيضا لها مشكلاتها الكثيرة، لم تكن غائبة لدى الدكتور الترابي أن يتحول إلى مشروع عالمي، ولذلك السنوات الأولى بعد الانقلاب أتاحوا الفرصة لتغيير قوانين لدخول الكثير من الإسلاميين وغيرهم إلى السودان إلا أن الأجهزة الأمنية تنبهت إلى أن هذا التحول سيقود إلى اختراق الحركة الإسلامية. 

 

من الخطأ تصنيف ثلاثين عاما بأنها تجربة خاصة فقط بالحركة الاسلامية


بالطبع ورثت دولة الانقلاب بعد 1989، رؤية من العالم أن السودان دولة هشة في مقابل الدول الأخرى، والنظام العالمي الذي نحن جزء منه، لذلك اعتبر السودان بأنه دولة ضعيفة من السهل اختراقها وليس لديها نفوذ عالمي، ولا تملك سطوة تخيف به أحد أي (مستضعفة)، لكنها في الداخل لم تكن دولة هشة، فقد كان لديها قدرة السيطرة على الشعب والأجهزة والموارد الاقتصادية.

س ـ كيف يمكن أن نفكك التناقض بين تصورات الحركة الإسلامية الأممية وتصوراتها للدولة القطرية؟


 ـ لقد كانت مشكلة من مشكلات التغيير في عهد الإنقاذ (حكم البشير)، فقد فكر الدكتور حسن الترابي في التصور الأممي، وجرى إنشاء مؤسسة أممية مثل المؤتمر الشعبي الإسلامي، ولكنها عادت عليه، وعلى الدولة بكثير من الضغط الأجنبي، فقد اعتبرت هذه الخطوة بمثابة نشوء قوة جديدة تريد أن تلعب خارج النظام العالمي الذي كان قائما ويملك أدواته في السيطرة على الدول، واعتبرت محاولة اختراق لهذا النظام، بإنشاء نظام موازٍ أو تكتل خاص، وهذا ما لم يسمح به النظام العالمي، وانتهى الترابي إلى حل المؤتمر الشعبي الإسلامي، وللأسف الشديد كان بعض القائمين على هذا المشروع، يعتقدون بأن هذه الأفكار والثورات يمكن تصديرها إلى دول الجوار بالتدخل في شؤونهم وكان أفشلها هي فصل الدولة الأثيوبية إلى دولتين، إذ أسهم السودان بدور فاعل، إضافة للمحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، إلى جانب التدخلات التي تمت دون وعي وعدم معرفة بالتداعيات في تشاد، وأوغندا، وكلها لم تكن مغامرات محمودة العواقب، وتدل على عدم المعرفة بجيوسياسة المنطقة، وكلها قد أحبطت مشروعا إسلاميا يمكن أن ينشأ في السودان.

س ـ هل للأفكار الجهادية مثل القاعدة وداعش وغيرها من المنظمات، مستقبل في السيناريوهات المتوقعة بالسودان؟


 ـ في ظل نظام البشير، كانت تنمو وتشكل خطرا حقيقيا، لكن في ظل نظام يسمح بالتوعية والمحاسبة والمراقبة والحرية، لا تستطيع أن تجد موطئ قدم في المرحلة المقبلة، وعلى المجموعات اليسارية والعلمانية أن تقدر هذا الظرف الحرج الذي لا يحتمل الاتهامات المتبادلة وإثارة العداوات التي في الواقع لا تستفيد منها الثورة. 

 

مصلطح "الإسلام السياسي" تمت إساءة تعريفه لاستخدامه ضد الإسلام والإسلاميين


نحن نريد أن نكون جماعة وطنية من ثوابتها التماسك والاحتكام للقانون، يمكن أن تبنى فيه جماعة وطنية تعين المشروع الإسلامي على أكمل وجه، فقد مضى الزمن الذي يعتقد فيه البعض أنه لا يمكن قيام مشروع اسلامي وطني بدونهم، لقد كانت الثلاثين سنة الماضية عبارة عن تشاكس بين الإسلاميين فيما بينهم، وتشاكس بينهم والآخرين، وانتهت التجربة لهذه النهاية المأسأوية.. رغم ذلك أراها هي النهاية الأفضل التي يمكن أن تقدم لهذه المجموعة، وهي بمثابة حافز أيضا لإنشاء مشروع إسلامي وطني يضيء للعالم من حولنا، لأن نجاح الإسلام يسود في مناخ العدل والحريات والقيم الإنسانية الرفيعة.

 

الحركة الإسلامية لم تكن لديها تصورات واضحة للاجابة على سؤال ثم ماذا بعد انقلاب 1989م؟


وكون الشعب السوداني يتخلص من نظام متسلط استشرى فيه الفساد، فهذا إنجاز كبير، وإذا استمر الشعب يرعى قيم الحرية والمساواة والعدل بأساليب سياسية مثل الاعتصام وغيرها، سوف تتخلق قيادات جديدة تحظى بتصحيح الأوضاع، ومن يريدون تخويفنا بأنه ضياع للإسلام فإن أبسط ما يمكن وصفه في هذا الصدد هو أنه (حديث سخيف)، فالسودان الآن أكثر تدينا من ذي قبل. 

التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم