كتاب عربي 21

الراكب والمركوب!

سليم عزوز
1300x600
1300x600

لا أقصد بـ"المركوب"؛ الاسم الشائع في اللهجة الصعيدية القديمة لـ"الحذاء"، ولـ"الحذاء القديم" في بعض الدوائر، فـ"المركوب" هو من ركب، يركب، فهو "مركوب"، وهو من الامتطاء، نسبة لما تردد عن الذين ركبوا الثورة!

القوى المشكلة لجبهة الإنقاذ (رحم الله موتاكم) تؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين ركبت ثورة يناير، وعلى أساس أنها شاركت متأخرة في الثورة، مع أن الإخوان كانوا منذ اللحظة الأولى في قلب الثورة، لكن القرار الذي تأخر هو قرار الجماعة. وقد حضر الإخوان في وقت غاب فيه البرادعي نفسه في اليوم الأول، كما أن أحزاباً شاركت في الجبهة لم تشارك فيها. فرئيس حزب "الوفد"، وعندما وجد حرصاً من شباب الحزب على الخروج في يوم 25 يناير، حذرهم من مغبة ذلك، ثم أعلن أن من يريد التظاهر فعلى مسؤوليته الشخصية. أما رئيس الحزب الناصري "سامح عاشور"؛ فقد أعلن منذ اليوم الأول أن حزبه لن يشارك في مظاهرات لا يعرف هوية الداعين إليها، وبينما كانت الجماهير في "التحرير" وغيره من ميادين الثورة تكتظ بالثوار، كان "عاشور" على مرمى حجر، وفي مقر الحزب، يعلن أنه مع مبارك! هذا فضلاً عن أن الكنيسة وبوصفها دعت للتظاهر يوم 30 يونيو، قد أعلن رئيسها البابا شنودة أن رعاياه لن يشاركوا في المظاهرات يوم 25 يناير، لأنه مع الرئيس، وليس سراً أن البابا من الذين كانوا يزورون مبارك في محبسه!

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن الإخوان شاركوا في الثورة، كما شارك فيها غيرهم، وكان لهم فيها ما لم يكن لكثيرين من الذين شاركوا فيها (أفراداً أو حركات)، لا سيما في حماية مداخل الميدان، وفي يوم موقعة الجمل، فلم نشاهد أحدا من الذين يحتكرون الحديث باسم الثورة وقد أصيب في هذا اليوم، الذي أصيب فيه أكثر من ألف شاب بعد مواجهة حامية الوطيس مع الشبيحة!


الإخوان هم شركاء في الثورة التي أدى كل منا فيها على قدر جهده، ومن ركب الثورة ليسوا هم ولكنه المجلس العسكري، كما ركبها كثير من الكيانات المشكلة لجبهة الإنقاذ؛ التي مثلت غطاء مدنياً للانقلاب العسكري!

 

الإخوان هم شركاء في الثورة التي أدى كل منا فيها على قدر جهده، ومن ركب الثورة ليسوا هم ولكنه المجلس العسكري، كما ركبها كثير من الكيانات المشكلة لجبهة الإنقاذ


ولم يقتصر الاتهام للإخوان على مجرد "ركوب الثورة"، ولكن في أنهم تحالفوا مع المجلس العسكري الذي استجاب لهم، فكان الذهاب للانتخابات (البرلمانية والرئاسية)!

وقصة التحالف مع العسكر لم يبدأها الاخوان، لكن فعلها الشباب الذي احتكر الحديث باسم الثورة، وشكل ما أطلقت عليه في وقته "ائتلافات الوجاهة الاجتماعية". وبعض هذه الائتلافات كانت مشكلة من فرد واحد، والهدف هو حضور اجتماعات المجلس العسكري والتقرب إليه بالنوافل، والذي كان يبحث عن طليعة شبابية يواجه بها الإخوان. ولم يكن الذهاب للانتخابات رغبة العسكر، لكنهم رضخوا لذلك بعد ضغوط مارسها الجميع!

 

الشباب الثوري الآن هو الذي باع مطالب الثورة، ودماء الشهداء، مقابل أن يجد له مكاناً في "حظيرة عصام شرف" الذي عينه العسكر رئيسا للحكومة


والشباب الثوري الآن هو الذي باع مطالب الثورة، ودماء الشهداء، مقابل أن يجد له مكاناً في "حظيرة عصام شرف" الذي عينه العسكر رئيسا للحكومة، وأطلق هؤلاء الشبان عليه رئيس الحكومة القادم من ميدان التحرير. وكتبت كثيراً عن أنهم يدخلون الغش والتدليس على الرأي العام، فعصام شرف هو رئيس الحكومة القادم من لجنة السياسات. وفي يوم تعيينه كان من يقف على المنصة في الميدان بجانبه (الناصري) حسين عبد الغني، و(الإخواني) محمد البلتاجي، و(القاضي ذو الميول الناصرية) زكريا عبد العزيز، وكان المحتشدون في الميدان من كل ألوان الطيف الثوري، فهل كان عصام شرف فعلا رئيس الحكومة القادم من ميدان التحرير؟!

المشكلة في أن الإخوان كانوا يعرفون ماذا يريدون، فلم يستعدوا المجلس العسكري، فهم يعرفون قدرتهم على الحشد وكسب الانتخابات، في حين أن الشباب الثوري كان لا يجد لوجوده قيمة، إلا في حالة السيولة الثورية، فماذا كانت استراتيجيتهم للمرحلة القادمة؟!

 

بدأت الضغوط الثورية على المجلس العسكري للرحيل، فما هو البديل له في ظل ثورة لم تفرز زعيما وإنما أنتجت مطالب؟!



لقد كان المجلس العسكري هو من يحكم وقد تجاوز الفترة الانتقالية التي قررها لنفسه وهى ستة شهور. فبعد عام ونصف العام، جاء المشير محمد حسين طنطاوي ليقول إنه قد يلجأ للاستفتاء الشعبي لأخذ رأي الشعب في استمرار المجلس في السلطة من عدمه، ورددت عليه وقتها بأننا لم نأت بكم باستفتاء لتستمروا باستفتاء!

وقد بدأت الضغوط الثورية على المجلس العسكري للرحيل، فما هو البديل له في ظل ثورة لم تفرز زعيما وإنما أنتجت مطالب؟!

لقد تحدث البعض عن مجلس ثوري يحكم، وبمجرد طرح الأسماء، كان المأزق. فحمدين صباحي كان على الهواء في أحد البرامج التلفزيونية، وقد نقل إليه اختياره عضواً في المجلس، فقال إنه يرفض ذلك، فما هو البديل الذي أفسده الإخوان باللجوء للانتخابات؟!

أخطأ الإخوان في إدارة ملف الانتخابات، عندما استبعدوا من ينتمون للثورة من قوائمهم واحتفوا بمعارضة مبارك على هذه القوائم، كما أخطأوا عندما دفعوا بمرشح رئاسي بعد الإعلان عن أنهم لن يفعلوا


ثم إن الإخوان ليسوا وحدهم من ذهبوا للانتخابات النيابية، كما أنهم ليسوا وحدهم الذين ذهبوا للانتخابات الرئاسية، فجبهة الإنقاذ ضمت الأحزاب التي شاركت في الأولى، كما ضمت عدداً من المرشحين الرئاسيين الذين سقطوا في هذه الانتخابات، فهل يعقل أن يلعبوا سياسة، وعندما يفشلون يريدونها ثورة؟!

أخطأ الإخوان في إدارة ملف الانتخابات، عندما استبعدوا من ينتمون للثورة من قوائمهم واحتفوا بمعارضة مبارك على هذه القوائم، كما أخطأوا عندما دفعوا بمرشح رئاسي بعد الإعلان عن أنهم لن يفعلوا، لكن ليس لأحد من القوى الأخرى أن يستغل هذا لدعوة العسكر للإطاحة بهم، فهذه جريمة ليست مبررة، وكان على تحالف جبهة الإنقاذ أن ينزل للشارع لطرح نفسه بديلاً للإخوان، بدلاً من أن يكون جزءاً من ثورة الفلول، ثم يصيح مرة أخرى بأن السيسي ركب الثورة!


لنعود مرة أخرى للحديث عن "الراكب" و"المركوب"، فالقوم في كل مرة يقومون بثورة يندفع فريق ليركبها، فهل السيسي هو من ركب 30 يونيو فعلاً؟!

 

هل كان المغفلون يعتقدون أن السيسي، وقد طالبوه بالتدخل، سيعزل الرئيس المنتخب ويختار أحداً منهم؟!


الحقيقة، أن 30 يونيو هي الثورة المضادة، وكان وجهاء جبهة الإنقاذ يدركون ذلك، لكنهم تصرفوا على طريقة من أراد أن يغيظ زوجته فخصى نفسه، ففي هذا اليوم كان "الراكب" هم ضباط الشرطة، وكانت الصور المرفوعة هي صورة السيسي، ولا وجود يُذكر للبرادعي وجماعته. فهل يمكن لأحد من غلمان هذا اليوم القول إن المشهد في ميدان التحرير كان ينتمي لثورة يناير بأي شكل، وقد كانوا "مركوبين" وليسوا "راكبين"؟ فمن تم رفعهم على الأعناق هم من هزمتهم ثورة يناير بعد أن واجهوها بعنف، وقتلوا عدداً من المشاركين فيها!

هل كان المغفلون يعتقدون أن السيسي، وقد طالبوه بالتدخل، سيعزل الرئيس المنتخب ويختار أحداً منهم؟!

لا بأس، فأنتم أصحاب ثورة يناير وركبها الإخوان، وأصحاب ثورة 30 يونيو وركبها السيسي، وشرعاً تسقط شهادة من ينتمي لأهل الغفلة!

فـ"المركوب" لا تقبل شهادته، ولو في حزمة من بقل!
التعليقات (2)
امام عادل
الثلاثاء، 03-07-2018 09:13 ص
ماشاء الله مقال خفيف كعادتك دايما تطرح فكرتك بخفة دم رائعة وتقول ما تريد دون انفعال او ادعاء الثقافة اسلوب جميل شكرا
هشام ميشلان
الإثنين، 02-07-2018 09:37 م
تابعت الثورة المصرية كمواطن مغربي مغترب ، تنقصه الخبرة في السياسة ، و ينقصه العلم بتراجم تلك النخب التي ذكرتها يا أستاذ سليم ، و كل ماكنت أحس به هو الخوف و التوجس و القلق و الحيرة ، حيث أنني كنت أتوقع حدوث ثورة بعد انتخابات 2005 ، و تأكد لي الأمر بعد انتخابات 2010 ، حيث كان الشعب المصري الشقيق في تظاهرات فئوية شبه يومية ، تفوق بكثير تلك التي كنا نشهدها في دولنا المغاربية ، لكن عندما بدأت الثورة في 2011التي توقعها الكثيرون مثلي من المتابعين للشأن المصري ، لم يكن لها قائد ، أو برنامج ، أو فريق من الشخصيات الذين يستطيعون التفاوض باسم كل المصريين و بكل أطيافهم ، و تجنيب الوطن ويلات السقوط في الفوضى ، و حسب رأيي البسيط ، كان ذلك هو المدخل " للراكبين " ، و المشكلة أن الغرب و الشرق أدليا بدلويهما ، وسط أمواج من الشباب غالبيتهم لا خبرة لهم بالسياسة ، " زي حالتنا كده " و لا علم لهم بالنخب و الشخصيات السياسية المصرية المعروفة للمتخصصين من أمثالك يا أستاذ عزوز، و الباقون من الشباب المثقفين سياسيا تم تحييدهم ، و هناك أحسسب بأنه هناك "راكب و مركوب " ، العسكريون ركبوا السياسيين المحنكين ، و السياسيون المحنكون ركبوا السياسيين الأقل حنكة ، إلى أن تم ركوب الحياة السياسية و الاقتصادية برمتها من قبل المؤسسة العسكرية ، لكن عنوان مقالتك لا ينطبق على ملايين المصريين من الشباب و الشيوخ و الكهول من كل الفئات ، فهؤلاء هم الوطنيون الحقيقيون الذين كانوا على سجيتهم ، في غاية البساطة و" البراءة السياسية " كي لا أقول كلمة أخرى ، هم الذين حركوا الحياة السياسية رأسا على عقب ، و قلبوا الطاولة على النظام ، بدل أن يتفاوضوا معه حول هذه الطاولة ، و هناك بدأت تتكشف خطايا النخب التي لم تتدارك الأمر و تنظم نفسها ، من أجل احتواء الحشود ، و جعلها تسير في ثورة حقيقية ، ذات قيادة ، و برنامج ، و هدف ، كل هذا لم يحدث ، ذهب الفرقاء كل وفق حساباته الشخصية و الحزبية ، بل تعدى الأمر إلى تصفيات حسابات سياسية داخلية و خارجية في خضم التموجات الجماهيرية التي كانت تبحث عن الحرية و العدالة ، و محاربة الفقر ، و النهوض بالاقتصاد ،تلك المطالب الشعبية التي تنادي بها كل الشعوب ، لكن النخب تاجروا بكل ذلك ، إلى أن تمت عملية " الراكب و المركوب " ، و انفض الشعب الطيب قبل تحقيق أهم ما خرج من أجله ، لم يكن يعلم ذلك آنذاك ، لكنه يعلمه اليوم ، فقد تعلم من خطئه الوحيد ، و هو مغادرته ميدان التحرير لمجرد وعود شفهية ، لكن النخب لم تخطئ فحسب ! ، بل ارتكبت " الخطيئة " في حق شعبها و وطنها و في حق تاريخها السياسي كل على حدة . هذه مجرد رؤية من بعيد للمشهد المصري ، خلاصته أن الشعب المصري قام بدوره المنوط به ، و هو الانتفاض من أجل الأفضل ضد الظلم و القهر و المحسوبية و الإقطاعية ، و يكون بذلك قد " عداه العيب " ، لكن النخب السياسية العريقة باءت بإثمها و بإثم من ركبته و بإثم من ركبها ، أما " الراكب " الوحيد اليوم بعد كل هذا فلا إثم عليه ، لأن " المركوب" حاول أن يركب غيره ، فصار" مركوبا " ، و قبل أن يكون " مركوبا " .