قضايا وآراء

الخطر الإرهابي والانتخابات البلدية في تونس

عادل بن عبد الله
1300x600
1300x600
مع اقتراب الانتخابات البلدية، تتنامى عند شريحة كبيرة من التونسيين مخاوف حقيقية من الخطر الإرهابي. فقد أثبت الواقع التونسي منذ الفترة التأسيسية؛ أنّ هناك علاقة "مشبوهة" أو ملتبسة بين الإرهاب وبين مصالح النواة الصلبة للمنظومة الحاكمة قبل الثورة وبعدها. ولا يعني هذا وقوف تلك النواة وراء الأعمال الإرهابية، بل يعني فقط التقاء موضوعيا بين استراتيجية الدولة العميقة واستراتيجية الإرهاب المُعولم.

وسأطرح في هذا المقال بعض النقاط التي قد تصلح لبناء استراتيجية وطنية لمقاومة الإرهاب. وهي نقاط لا أزعم أنها ذات طبيعية إحاطية شاملة (EXHAUSTIVE) بالظاهرة الإرهابية وتعقيداتها الجيواستراتيجية. ولا أزعم كذلك أنها ذات قدرة سحرية على مواجهة الإرهاب أو أنها مكتفية بذاتها، منغلقة على محصولها، ولكنني أزعم أنها نقاط تحتاج على الأقل إلى حوار عمومي بعيدا عن القصف الإعلامي وشبكات الدمغجة المهيمنة على منابر التواصل المرئية والمسموعة والمكتوبة. وهذه النقاط هي التالية:

1- ينبعي الابتعاد عن التجاذبات السياسية والتوظيفات"الأيديولوجية" للإرهاب، فالصراعات الدونكيشوتية والاصطفافات الأيديولوجية لن تعيد الحياة إلى ضحايا الإرهاب من "مستضعفي" السواحل والدواخل، ولن ينفعهم أن نفرض (بمنطق موازين القوى لا بمنطق الاقتناع العقلي الحر) رؤية أنّ من قتلهم هو وليد ثقافة تجفيف المنابيع ومناويل التنمية اللامتكافئة، أو هو "مسخ" أنتجته ثقافة الفقيه السلطاني المتمذهب أو أداة للمنظومة القديمة وحلفائها الإقليميين والدوليين، وهو ما يعني طرح الإشكاليات الحقيقية والأجوبة الحقيقية (حتى إن كانت موجعة ومخالفة للانتظارات الجماعية)، ولكنّ طرح تلك الإشكالات واجتراح أجوبتها لا يمكن أن يتمّ بالعقل "الزبوني" النوفمبري حتى إن تحوّل ورثته بعد الثورة إلى "خبراء في الإسلام السياسي" و"محللين سياسيين"، وهم في الحقيقة مجرد واجهة إعلامية لبعض مراكز النفوذ المعروفة بانتمائها إلى الدولة العميقة.

2- ضرورة اعتبار خطابات التحريض الأيديولوجي (سواء أجاءت من اليمين أو اليسار) جزءا من ثقافة "الدعوشة" وعاملا من عوامل إضعاف "الممانعة الاجتماعية" أو المقاومة الجمعية للظاهرة الإرهابية، وهو ما يعني ضرورة مراجعة السياسات الاعلامية وإبعاد الخبراء المزيفين والموتيرون الأيديولوجيين من المشهد، وحمل الهايكا وغيرها من المتدخلين في القطاع الإعلامي على ممارسة دورهم التعديلي والرقابي، بعيدا عن أي اصطفافات أيديولوجية لا علاقة لها بأخلاقيات المهنة وقوانينها، كما ينبغي إصلاح القطاع التعليمي (خاصة التعليم الديني) وإسناد هذه المهمة إلى جهات علمية "موثوقة" (لا تستثني الشيوخ من ممثلي الزيتونة خاصة)، ويكون عملها تجسيدا لمشروع مجتمعي "توافقي" يكون بعيدا عن خرافتي "النمط" و"الأسلمة"، فنحن لا نعيش في "جاهلية"، ولكننا كذلك لا ننعم بـ"معجزة" لا وجود لها إلا في عقول أصحابها والمروجين لها، (ولذلك فإنّ تجاوز صراعات الهوية والضغائن الأيديولوجية هو أولوية قصوى سياسيا واجتماعيا وثقافيا؛ بحكم تأثيراتها الكبرى على مختلف الفاعلين وعلى استراتيجياتهم في التحرك داخل المجال العام).

3- على مختلف الفاعلين الجماعيين اعتبار الإرهاب مظهرا قصوويا من مظاهر استضعاف الدولة أو استهداف مؤسساتها، بحيث تكون مقاومته جزءا من استراتيجية عامة تعيد للدولة هيبتها ضد الإرهابي والمتهرّب الضريبي والمهرّب المافيوزي (ثالوث الاستبداد والفساد وثقافة الدعوشة). ولن تكون هيبة الدولة هنا في مقابل هيبة المواطن أو نقضا لها، ولكنها ستكون تفعيلا للقانون في بعده المواطني (بصرف النظر عن موضوع القانون وهويته وموقعه الاجتماعي)، كما ستكون تجسيدا مؤسساتيا لانتظارات المواطنين واستحقاقاتهم المادية والرمزية، بعيدا عن منطق الشبكات الزبونية والعصبيات الجهوية أو القطاعية.

4- ينبغي إقامة الاستراتيجيات الدفاعية على أساس أن السلفية الجهادية لا تُمثل عموم التيارات السلفية، وهو ما يعني عدم استهداف السلفية العلمية أو استعداء منتسبيها، بل إشراكهم في مقاومة الطاعون الإرهابي بحكم قدرتهم على التفكير من داخل المنظومة نفسها، والوصول إلى نتائج تنسف الطرح الجهادي، وهذا لا يعني التماهي مع أطروحات السلفية العلمية بقدر ما يعني الاحتكام إلى مبدأ الواقع لا مبدأ الرغبة، والاعتراف بتعدد المنتجين "القانونيين" للخطاب الديني، ما داموا بعيدين عن أي خطاب تكفيري أو تحريضي ضد الدولة أو ضد أي طرف كان.

5- ضرورة الابتعاد عن المحاولات المحمومة للزج بحركة النهضة في كل عمل إرهابي (وهو ما لا يعني بالضرورة عدم مساءلتها هي وغيرها عن دورها "السياسي" في تفاقم هذه الظاهرة)، وذلك قصد التخفيف من قابلية الاحتراب الأهلي ومن إمكانية توظيف الإرهاب لأي احتقان اجتماعي أو أمني بين الفاعلين الجماعيين من الإسلاميين والعلمانيين. فتفتت الجبهة الداخلية قد يخدم بعض أهداف الاستئصاليين في المدى المنظور ولكنه سيخدم التكفيريين في المدى الاستراتيجي بطريقة تعاكس توقعات الاستئصاليين ورهاناتهم.

6- ينبغي الاعتراف بوجود خطر إرهابي حقيقي لا يرتبط بالضرورة بمراكز القوى في المنظومة القديمة (وإن تقاطعت مصالحه معها أحيانا أو استثمرت مفاعليه الكارثية في الكثير من الأحيان)، والاعتراف كذلك بأن الإرهاب غير قابل للاختزال في أي عامل تفسيري مفرد (عامل اقتصادي أو ثقافي أو أمني)، مما يعني ضرورة وجود مقاربة شاملة لمواجهته. وهي مقاربة شاملة من حيث طبيعة المتدخلين وطبيعة المقاربات والرهانات. ولا يمكن حصول ذلك إلا بقيام نوع من الثقة المتبادلة بين الإسلاميين والعلمانيين، بالإضافة إلى قبولهم جميعا بتغيير مواقع إنتاج خطاباتهم ومراجعة بعض أطروحاتهم بحثا عن "توافق حقيقي" يكون نتيجة حوار اجتماعي عام، لا بحثا عن "توافق ملغوم" يكون فرضا لرؤية مسقطة وغير فعالة أو غير وظيفية في مواجهة هذه القضية الخطيرة.

7- ضرورة إنشاء لجنة برلمانية تُسند لها مهمة الإشراف على الملف الأمني (مثل اللجان الموجودة في كل الديمقراطيات الكبرى)، وتكون لهذه اللجنة صلاحيات كبرى من حيث إقرار التسميات في القطاعين الأمني والعسكري، بالإضافة إلى التخطيط والمراقبة والمتابعة، كما تكون لها صلاحيات المساءلة والمعاقبة لكبار المسؤولين الأمنيين بدءا من العزل وانتهاء بالإحالة على الدوائر القضائية المختصة، على أن تستعين هذه اللجنة "وجوبا" بكبار المختصين في الشأن الأمني والاجتماعي والحقوقي، وغير ذلك من القطاعات المعنية بالمسألة الإرهابية.

8- السعي إلى إيجاد آلية محاسبة لكل المتدخلين في الإعلام ممن يحاولون توظيف الخطر الإرهابي واستثماره لغايات إيديولوجية أو انتخابية؛ تزيد من استفحال الظاهرة بدل السيطرة عليها، وهو ما يستدعي إيجاد قوانين تنظم هذه التدخلات الإعلامية بعيدا عن فزاعة "تبييض الإرهاب" من جهة أولى، وبعيدا - من جهة ثانية - عن أي تقييد لحرية التعبير المكفولة بنصوص الدستور (لكن مع تحميل المتدخلين مسؤولياتهم الجنائية اذا ما ثبت تلاعبهم بالمعلومات، أو خضوعهم لشبكات أو لوبيات تستثمرهم لتحقيق مصالحها التي تضرب بالضرورة السلم الأهلية ومسار الانتقال الديمقراطي برمته).

9- ينبغي الاعتراف بأن الخطر الإرهابي هو خطر يواجه "كل" الفاعلين الجماعيين مهما كانت أيديولوجياتهم، وهو ما يستوجب ردا موحّدا من "كل" الفاعلين الجماعيين (بإسلامييهم وعلمانييهم دون إقصاء)، كما ينبغي اعتبار أن أي إدارة للأزمة على أساس منطق "لجان التفكير" وسياسات تجفيف المنابع من جهة، أو على أساس "الأخوّة الدينية"، من جهة ثانية، لن يكون محصولها إلا مزيدا من الإرهاب، ومزيدا من الاحتقان الاجتماعي والأمني، وهو ما لا يخدم في النهاية الاّ الشبكات الزبونية واللوبيات الأمنية- المالية- الجهوية التي لا يمكن أن تحافظ على مصالحها وامتيازاتها، ولا مراكمة رساميلها المادية والرمزية إلا في ثقافة يسودها الفساد ويحكمها الاستبداد.

10- اعتبار النقابات الأمنية مكوّنا بنيويا من مكوّنات مواجهة الإرهاب وفاعلا رئيسا من الفاعلين في تحديد استراتيجيات تلك المواجهة، ولكن بشرط أن تفرض الدولة عودة تلك النقابات إلى دورها "النقابي"، بعيدا عن أي محاولة للتغوّل أو لإخضاع "السياسي" لرهاناتها القطاعية ولمنظورات الأطراف التي تسندها من خارج المنظومة الأمنية. وهو ما يعني ضرورة التعامل مع النقابيين الأمنيين بتفعيل القوانين المنظمة للمهنة، بعيدا عن أي مؤثرات خارجية، تلك المؤثرات التي تضرب مصداقية الجهاز الأمني وتمنع انبثاق مشروع "الأمن الجمهوري" من جهة أولى، كما تزجّ - من جهة ثانية - بالأمنيين في الصراع السياسي بدل أن تعيدهم إلى مهمتهم الأصلية، باعتبارهم أداة تنفيذ في خدمة المواطن وتفعيل إرادته عبر ممثليه الشرعيين.

إنها جملة من المقترحات التي قد يعكس التعامل معها - ومع غيرها - مقدار الانفراج أو التأزم في علاقة الفاعلين الجماعيين؛ الذين انحرفت العلاقة بينهم بعد الثورة عن مدارها المواطني الاجتماعي إلى مدار ثقافوي هويّاتي. فرغم أن الخطر الإرهابي هو خطر يتهدد الدولة في وجودها ذاته وقد يحوّلها إلى "دولة فاشلة"، فإنه ما زال محلّ تجاذبات سياسية وتوظيفات حزبية وانتخابية خطيرة. وهو ما يعني أنّ أي مشروع لمقاومة الإرهاب لن ينجح إلا بتوفر مناخ سياسي"سوي"، ولكن لا يبدو أنّ الخطابات المهيمنة على المشهد العام تساعد على خلق ذلك المناخ وتوفير شروطه الفكرية والموضوعية.
التعليقات (1)
رضا حسين
السبت، 24-02-2018 10:57 ص
بعيدا عن الكلام الفضفاض .. هذه عشر نقاط منهجية شديدة الوضوح .. قابلة للنقاش و الإثراء و التطبيق الجدي باعتبارها استراتيجية ممكنة لمقاومة الإرهاب.. تحتاج كما كل القضايا الوطنية ..إجماعا مفقودا ..ورغبة حقيقية للطبقة السياسية في الحفاظ على وطن يسمح بحكمه غدا ديمقراطيا .. وطن كريم في عالم ممكن.